بالعقل

مصطفى بكرى يكتب: «أحزان الأنبا «بسنتى» فى حلوان»

الإثنين، 01 يناير 2018 08:41 ص
مصطفى بكرى يكتب: «أحزان الأنبا «بسنتى» فى حلوان»
مصطفى بكرى
مصطفى بكرى

منذ عام 1995 كان لقائى الأول به، استقبلنى بترحاب داخل مطرانية حلوان والمعصرة، وجه مبتسم، وكلمات رصينة، حس وطنى، ووعى بالمخاطر..

دار بيننا حوار طويل، أدركت فيه حكمته، وصدق رؤيته، وخبرته التاريخية فى التعامل مع الأوضاع الدينية والأحوال الإنسانية.

وفى عام 1998 عندما دعونا إلى مؤتمر لمقاومة التطبيع فى مواجهة مؤتمر عقده بعض المطبعين بحضور شيمون بيريز وديفيد كيمحى رئيس الموساد الأسبق، توجهت إليه، فجاء إلى فندق شبرد ليتحدث فى حضور ألف من المثقفين معلنًا رفض التطبيع مع الصهاينة ما لم تحرر الأرض وتعود المقدسات، صفق الحاضرون كثيرًا، وكان الأنبا بسنتى، يعبر بذلك عن موقف الكنيسة المصرية الذى أعلنه قداسة البابا شنودة (طيب الله ثراه).

فى كل المناسبات والأعياد كنا نجتمع من حوله، وفى شهر رمضان كانت مائدة الإفطار الرئيسية فى حلوان، تقدم فى المطرانية، حيث تجتمع الرموز والشخصيات العامة بالمئات للإفطار بحضور الأنبا بسنتى، الذى كان يتحدث دائمًا ليحض على الوحدة ومواجهة المخاطر والحرص على سلامة الوطن.

هكذا كان منذ تولى موقع «أسقف حلوان والمعصرة» فى 29 مايو 1988، بعد حياة كنسية حافلة، وتحديد منذ الرهبنة فى عام 1971، مرورًا باختياره فى موقع سكرتير خاص قداسة البابا منذ عام 1980 وحتى الآن.

والأنبا بسنتى، ليس غريبًا على «حلوان» التى أحبها وأحبته، فهو من مواليد قرية «الأخصاص» القريبة من حلوان، وكان دائمًا ومنذ الصغر يتردد على كنائسها، وتربطه صداقات وعلاقات واسعة برموزها وعائلاتها.

سنوات طوال ونيافة الأنبا «بسنتى» يمد يده بالمساعدة، يتواصل مع الصغار والكبار من أبنائه فى حلوان، يسهر على راحتهم، ويسعى إلى حل مشاكلهم، ولا يتردد فى أن يتصل شخصيًا بى وبغيرى من النواب طالبًا السعى لخدمة واحد من أبنائه.

لم يكن الأنبا بسنتى يعرف الفرقة بين المسلم والمسيحى، وكان البعض يندهش أحيانًا عندما يطلب نيافته خدمة لواحد من المسلمين ويلح فى طلبها، هكذا هو، لديه قدرة كبيرة على خدمة الناس دون النظر إلى الدين أو العرق، ولذلك كان ولا يزال قاسمًا مشتركًا بين جميع أبناء حلوان والمناطق المحيطة.

وبعد الحادث الأخير الذى شهدته حلوان يوم الجمعة الماضى وسقط فيه تسعة من الشهداء، كان الخبر صادمًا لنيافته، هؤلاء أبنائى وبناتى، دماؤهم تنزف فى الشوارع وأمام الكنيسة، رصاصات الغدر اغتالت أرواحهم البريئة، بدا وكأنه يسمع صرخاتهم من على بعد، تحجرت الدموع فى عينيه، وراح يقيم الصلاة ويدعو لهم بالرحمة..

لم يستطع النوم فى هذه الليلة، فقد ووريت جثامين أبنائه منذ قليل، وكيف ينام وهو الذى سخر حياته لهم ولرعاية شئونهم الدينية والحياتية، وقد بلغ من العمر الآن أكثر من خمسة وسبعين عامًا.

فى هذا اليوم كان الأنبا بسنتى يتلقى العزاء فى كنيسة السيدة العذراء بمنطقة المساكن الاقتصادية بحلوان، تحدث موجهًا الشكر إلى المعزين، تغلب على جراحه وآلامه، وقال: «إن مجيئكم يطلع العالم كله أن الشعب المصرى واحد، وأن المصريين يعيشون فى محبة وسلام على أرض الوطن الذى يشملنا جميعًا بالود المتبادل بين أبنائه وأرضه الطيبة».

وقال: «إن الكنيسة تصلى لأجل مصر وأرض المحبة التى لا تعرف التمييز بين مسلم ومسيحى، بينما أصحاب الفكر المتطرف هم من يصنفون البشر».

كانت كلماته مؤثرة، هزت مشاعر الحاضرين، وكل من استمع إليها، إنها تعبير عن قناعة ثابتة فى الوجدان، وكانت ردًا واضحًا وصريحًا على هؤلاء الذين راحوا يتقدمون بمشروع إلى الكونجرس الأمريكى حول ما يسمونه بـ«التمييز ضد المسيحيين فى مصر».

وكانت عباراته الحاسمة ردًا على نائب الرئيس الأمريكى الذى راح يتحدث عن عزم بلده فتح ملف ما يسمونه بالأقليات فى الوطن العربى، والمسيحيين فى مصر تحديدًا، كانت كلمات نيافة الأنبا بسنتى تأكيدًا على ما قاله قداسة البابا تواضروس خلال استقباله للإمام الأكبر شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، عندما قال قداسته: «إن من يحمى المسيحيين هو الله وإخوتهم من المسلمين».

لقد أكدت حلوان العظيمة هذه المقولة، ذلك أن كل من شاهدوا كيف تفاعل أبناء حلوان وتصدوا للإرهاب الذى استهدف كنيسة «مارمينا» يدرك حقيقة لا يمكن أن تخفى على أحد، وهى أننا أسرة واحدة، فالدين لله والوطن للجميع.

لقد كان هذا الحادث الإجرامى يستهدف إشعال الموقف، وزرع بذور الفتنة، وتقديم رسالة لسادتهم الأمريكان والإسرائيليين بأن الأقباط يعانون، وأنه لابد من التدخل لحمايتهم، فإذا بهذا الادعاء يرتد إليهم، ويظهر عمالتهم للذين يحرضونهم على إسقاط الدولة المصرية وسيادة الفوضى فيها على حساب أبنائها جميعًا.

تحرك الشارع الحلوانى، نزل الشباب من بيوتهم، يطاردون القاتل، واستطاع مأمور القسم العميد أشرف عبدالعزيز أن يوجه إليه رصاصاته، فيسقط جريحًا، فيقوم المواطن صلاح الموجى وخلفه عشرات الشباب بتقييد حركته ونزع سلاحه وتقديمه للعدالة.

كان مشهدًا عظيمًا، يعكس أصالة حلوان وشجاعة أبنائها، لقد أكدوا للجميع أن الشعب والجيش والشرطة فى خندق واحد، وأن أحدًا لن يستطيع أن يفرق بين أبناء الوطن، وأن زمن السلبية قد انتهى، وأن الشارع المصرى قال كلمته ونزل إلى الشارع لمواجهة أعدائه والفتك بهم.

احتفى الإعلام كثيرًا، تحدثنا عن البطولات الرائعة، وعن المواجهة الشجاعة، لكننا لا يجب أن ننسى أن العديد من الذئاب المنفردة لا تزال تعوى فى شوارعنا، تبحث عن فريسة لها، لتنتقض عليها باسم الدين، والدين من كل ذلك براء.

لسنا فى حاجة إلى كلمات منمقة أو عبارات منتقاة، بقدر ما نحن فى حاجة إلى جهد جماعى لمواجهة هؤلاء التكفيريين، بتخفيف منابعهم الفكرية التى لا تعبر عن صحيح الدين، إننا فى حاجة إلى حرب شاملة تعيد للوطن وجهه الحضارى، ويكفى القول أن مصر ومنذ عام 1919 وحتى عام 1971 لم تشهد سوى حادثين طائفيين، ولذا علينا أن نبحث ماذا جرى منذ عام 1971 وحتى الآن!!

إن الحلقة الجديدة من المؤامرة تستهدف محاولة النفاذ من خلال هذا الملف، صحيح أنهم لم ينجحوا طيلة السنوات الماضية، ولكن الأهم هو مواجهة ما هو قادم، وهذا لن يتم إلا بإرادة سياسية فاعلة، تضع حدًا لهذه الظاهرة التى تستهدف الوطن بأسره، ماضيه وحاضره ومستقبله.

وسط هذا الضجيج والجدل الدائر فى وسائل الإعلام، يعود الأنبا بسنتى إلى ديره فى المعصرة، وأحزانه لا تفارقه على فقدان أبنائه وبناته، يؤدى الصلاة ويدعو إلى الله أن يتغمدهم برحمته، فى هذه اللحظة تنهمر الدموع من عينيه، لكنه يعود ليؤكد أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، وأن من استهدف المصلين الأبرياء فى مسجد الروضة بسيناء، هو نفسه من استهدف الأبرياء الذين توجهوا للصلاة فى كنيسة «مارمينا» فى حلوان.

• • •

بقى القول إن شجاعة أبناء حلوان وشبابها هى نقطة تحول مهمة ورسالة لكل من يعنيه الأمر، الشعب شريك والشعب واعٍ، والإرهاب لن ينجح ولن يستطيع بث الخوف أو تحييد المواطنين بعيدًا عن معركة الوطن.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق
سوبر كورة
الأسبوع
سوبر كورة