مقالات

"عمى" تادروس

الإثنين، 08 يناير 2018 01:36 م
"عمى" تادروس
تهاني تركي

منذ سنوات بعيدة، جرت أحداث كثيرة، منها ما طواه النسيان ومنها ما تعلق بأطراف الذاكرة وبقى إلى يومنا هذا، فكل إنسان منا أثرت فيه عوامل التنشئة التى تعرض لها، وكذا الاشخاص المحيطون به وبيئته الاجتماعية، ليخرج تكوينه مزيجًا مصهورًا من كل هذه العوامل.

مازلت أتذكر حتى الآن صورة الصفحة الأولى من صحيفة الأهرام صبيحة يوم السابع من أكتوبر عام 1973 وقد اعتلتها مانشيتات بالخط الأحمر والبنط العريض «انتصرنا»، أمسكت بالصحيفة التى أحضرتها للتو من «دكان» عمى تادروس، وعلى الرغم من اننى كنت فى بداية مرحلة التعليم الابتدائي، ولم أكن قد تعلمت مبادئ القراءة بعد، إلا أن تلك اللحظة، وذلك المشهد مازال عالقا بذهنى حتى الان.

كان عمى تادروس رجلًا ستينيًا يمتلك محلا لبيع الصحف والكتب فى عقار يسكن فيه، وكنت كل صباح أذهب لشراء الصحف والمجلات منه، كان الرجل ينتظر فى الثالثة فجرا قطار الصحافة «وهو القطار الذى كان يحمل الصحف ليوزعها على المحافظات والمدن والأقاليم» ليأخذ من الموزع الكميات التى يبيعها يوميا، وكانت الصحيفة فى ذلك الوقت هى مصدر كل الأخبار، فلم يكن هناك إنترنت ولا فضائيات، وكانت شاشات التليفزيون الأبيض والأسود ينتهى إرسالها بعزف السلام الوطنى وقراءة القران فى الثانية عشرة بعد منتصف الليل ولا تذاع النشرات الاخبارية الا فى الساعة التاسعة ليلا وفقط، وبالتالى كانت الصحيفة هى ملاذ كل صاحب حاجة.

أتذكر عندما كانت الأسر تسهر حتى تمسك بالصحيفة فى الفجر لتعرف نتيجة تنسيق القبول بالجامعات، خاصة ممن تفوق أحد أبنائها وينتظر التحاقه بإحدى كليات القمة، وهى المشاهد التى عايشتها مع أقاربى.

وبمناسبة أعياد ميلاد إخوتنا الاقباط تذكرت تادروس بائع الصحف السمح الطيب الذى كنا نناديه «عمى» فلم نكن نعرف ونحن صغار، لغة العداء والكراهية التى يحملها البعض لأخوتنا فى الوطن، وتذكرت أيضًا الدكتور نبيل صاحب الصيدلية الملاصقة لدكان تادروس، والذى كثيرًا ما كنت أذهب إليه لشراء الادوية لأحد أفراد العائلة، وكان عندما يلمحنى أقف تحت الفاترينة لقصر قامتى وقتها ينادينى باسمى ويعطينى ما أطلبه على الرغم من انتظار البعض قبلى، ومازلت أتذكر ابتسامته الودودة الطيبة حتى الآن.

أتذكر أيضًا هناء وناهد زميلتّى فى مرحلة الدراسة الثانوية، وكم كنت أحبهم لطيب أخلاقهما وتفوقهما أيضًا، وأتذكر زميل دفعتى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية إيهاب وليم، وكم كان ومازال دمث الخلق، وزملاء الصحيفة والمهنة بهاء حبيب واسحاق فريد، اللذين كانا ومازالا يضربان مثلًا فى الرقى والنبل الإنسانى.

فى عيد الميلاد المجيد..تحية وتهنئة من القلب لكل اخوتنا شركاء الوطن، ولكل الزملاء والاصدقاء منهم ..أقول ..دمتم بكل محبة وتقدير..وكل عام ومصر مهد الرسالات وأرض الديانات نسيج واحد.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق
سوبر كورة
الأسبوع
سوبر كورة