مقالات

عهد التميمى.. وعم صلاح

الثلاثاء، 09 يناير 2018 02:57 ص
عهد التميمى.. وعم صلاح
محمد السيسي
بقلم: محمد السيسي

لمصلحة من يتم تشويه أى نموذج وطنى؟!!.

حقيقة الأمر أن المسألة ممتدة منذ زمن بعيد، فهناك من يحاول دومـًا أن يهزمنا من داخلنا، يكسرنا أمام أنفسنا، يمرر اليأس إلينا، ليصبح جزءًا من حياتنا، وهو أخطر أنواع الهزائم التى يمكن أن يتعرض لها شعب، أو يمر بها وطن.

لمصلحة من تشويه عم «صلاح الموجى»، البطل الذى انقضَّ على إرهابى كنيسة مار مينا فى حلوان، فى مشهد بطولى، وقـيّده ليشجع أهالى المنطقة، الذين انطلقوا من كل حدب وصوب لمعاونته فى القبض على المجرم، وتسليمه للشرطة؟!.

عم صلاح.. واحد من الناس، يعيش كما يعيشون.. وقف فى طابور العيش، دخل قسم شرطة يعمل محضر فسمع من الباشا كلمتين فى جـنابه.. غاصت قدماه مرة أو أكثر فى المجارى وهو نازل من بيتهم رايح شغله.. ركب أتوبيس واتبهدل فى الـميكروباص وسافر فى القطار وربنا نجَّاه.

عم صلاح.. راجل زى حالاتنا، اتعلم فى مدارس الحكومة، بيكشف فى المستوصف علشان يوفر، وساعات كتير بيلجأ للوصفات، لضيق ذات اليد، مهموم ببطاقة التموين ولتر البنزين وكيلو اللحمة والسحابة السوداء.. سميطة بعجوة تشبعه.. سعادته فى كارت شحن بخمسين جنيه، أو هدف لمحمد صلاح.

عم صلاح.. مواطن غلبان، كل أمله فى الحياة يكمل الشهر بالستر، ويشوف بناته فى بيوت أزواجهم، وربنا يكرم ابنه بوظيفة علشان يجوزه ويشيل عياله قبل ما يموت.

مواطن بسيط، لكنه وقت الجد بطل، يضحى بحياته من أجل جاره، وشرفه، وكرامته، ووطنه.. وهذا ما أزعج البعض، فوجب تشويهه حتى لا يشعر الناس بالثقة فى أنفسهم وفى قدرتهم.. لهذا تحول عم صلاح إلى مسجل خطر.. وبدلا من أن تشغلنا بطولته، وتمنحنا الأمل، ننشغل بالدفاع عنه أو الهجوم عليه.

سيقولون «نظرية المؤامرة»، وإننا نتصور أن العالم يتآمر علينا، وأقول: نعم.. إننى من المؤمنين بـ«نظرية المؤامرة»، وأن تاريخ العالم، مجموعة من المصالح وسلسلة من المؤامرات، وهناك من يمرر إلينا الإحباط والهزيمة؛ لكسر إرادتنا.

هل تذكرون الفتاة الفلسطينية الشجاعة «عهد التميمى»، التى تصدت لجنديين من جنود الاحتلال الصهيونى، مدججين بالسلاح، وأوسعتهما ضربـًا، ومنعتهما من اعتلاء سطح منزلها لاستهداف الفلسطينيين؟، لقد تحولت إلى بنت متهورة، تتصرف بصبيانية، تلقى بنفسها إلى التهلكة، بدلا من أن تتحول إلى رمز للتحرر الوطنى وأيقونة لمقاومة المحتل!!.

وراح البعض يقحمنا فى مناقشات لا جدوى منها، وكيف أن الاحتلال الإسرائيلى سيستغل هذا المشهد ويروجه إعلاميـًـا، ليدلل على طيبة قلب الصهاينة!.. وكأن الدفاع عن الأرض والعِـرض ومقاومة المحتـل التى كفلتها كل الأعراف والمواثيق الدولية جريمة نكراء!، وكأنه من الحكمة ورصانة العقل، أن ترحب الفتاة بجنود الاحتلال وتسمح لهم باستهداف أبناء وطنها، وتكتفى بمصمصة الشفاه أو البكاء!.. وبدلا من أن تشغلنا بطولتها، وتمنحنا الأمل، ننشغل بالدفاع عنها أو الهجوم عليها.

المسألة ــ كما أشرت فى البداية ــ ممتدة، هل سمعتم من قبل عن مواطن ــ فى أى دولة كانت ــ يشمت فى هزيمة جيش بلاده، أو نكـسة مَـرَّ بها وطنـه؟!، يتذكر الهزيمة ويطنطن بها، ويتناسى الانتصار ويشوهه.. للأسف بيننا من يفعل ذلك!!.

بالطبع لا أحد ينكر مرارة وقسوة الهزيمة وعواقبها، لكنْ فرق كبير بين أن نتذكر لنعتبر، ونرى كيف كانت بداية لتصحيح الأخطاء، وأول الطريق نحو بناء الجيش والمجتمع القادر على الصمود، ثم النصر الذى بانت ملامحه واضحة فى حرب الاستنزاف المجيدة.. وبين أن نتذكر لتشويه مرحلة من أهم مراحل التحرر الوطنى، بدلا من أن تبقى شاهدة على تآمر الاستعمار، ومُـلهمة فى مواجهة التحديات والمؤامرات.

ليس هذا فقط، بل بيننا من يسعون جاهديـن لتشويه حرب أكتوبر المجيدة، ووصفها بالتمثيلية، وإهالة التراب على ما تحقق خلال هذه «الحرب المقدسة» التى خاضها الشعب المصرى وفى القلب منه الجيش، لتحرير الأرض.. متجاهلين معجزة العبور، والإنجاز العسكرى الذى تحقق، والانتصار الذى اعترف به العدو قبل الصديق وأشادت به المعاهد والأكاديميات العسكرية الدولية.. فى محاولة منهم لزعزعة ثقة المصريين فى أنفسهم، وكسر إرادتهم، وهزيمتهم من داخلهم بتعميق حالة التشكيك فى قدرتنا على تجاوز التحديات.. وتقديم معنى خبيث مفاده أننا غير قادرين.

النماذج كثيرة والمحاولات لا تتوقف.. هل استمعتم لـ«يوسـف زيدان» ــ الذى يقدم نفسه للرأى العام بوصفه عالمــًا ومفكرًا ــ وهو يهاجم الناصر صلاح الدين الأيوبى، ويصفه بأنه من أحقر الشخصيات فى التاريخ، وأنه و«سيف الدين قطز»، مِن صناعة مؤسسة الحكم فى الستينيات!.

بالطبع.. صلاح الدين شخصية تاريخية، قائد عسكرى، أسس الدولة الأيوبية التى وحَّـدت مصر والشام والحجاز، فى ظل الراية العباسية.. حاكم، له ما له، وعليه ما عليه، شأنه فى ذلك شأن الآخرين.. لكن لمصلحة من يتم تشويهه واتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟!.

كلنا يعرف أن صلاح الدين أسس دولته، بعد أن قضى على الخلافة الفاطمية، التى استمرت 262 سنة.. وفى سبيل ذلك تصدى لمؤامرات بعض رجال الحكم السابقين النافذين ومحاولاتهم للعودة إلى الحكم ــ ليست معلومة جديدة ــ فأى دولة حديثة العهد فى ذلك الزمان، لا تقوم إلا إذا أطاحت بأخرى، ويستمر الأمر لفترة، حتى يستقر الحكم الجديد أو تنجح محاولات قادة الدولة القديمة فى العودة مرة أخرى، وهكذا.

لكن لمصلحة من ألا نرى فى صلاح الدين، سوى أنه حرق بعض الكتب الشيعية.. ولا نرى فى هذه الفترة سوى بعض الوقائع أو جانب من جوانب الصراع على الحكم، ونتجاهل تحرير بيت المقدس، والتصدى للحملات الصليبية، ومن المستفيد من تشويه كل رمز للبطولة والانتصار فى تاريخنا، كل مقاومة أو دفاع عن الأرض؟!.

للأسف بيننا من يهاجمون صلاح الدين الأيوبى، فى الوقت الذى يتحول فيه شيمون بيريز قاتل الأطفال والرضع والنساء والشيوخ، الذى يمتلئ تاريخه بالمجازر والمذابح والجرائم ضد العرب، يتحول إلى ملاك رحمة يبكى العالم على رحيله!.

 تخيلوا، بيريز الذى ظل على مدى سبعين عامًا مشاركا وداعمـًـا للإرهاب الصهيونى، ودماؤنا نحن العرب، معلقة فى رقبته ورقبة رفاقه من المجرمين، يدعو رئيس مجلس الأئمة المسلمين فى فرنسا جموع المسلمين للصلاة على روحه، والدعاء له بالمغفرة؛ لأنه «أحد الرموز السياسية البارزة على مستوى العالم، المحبه للسلام»!!.. بينما صلاح الدين قاتل.

النماذج كثيرة، ومحاولات التشويه لا تتوقف، وهناك من ينساقون بحسن نية وراء ذلك، ويرددون الأكاذيب إلى أن تتحول فى أذهانهم إلى حقيقة.. فالمناضل البورسعيدى «أبوالعربى»، الذى لقن الاحتلال الإنجليزى ومن بعده الصهيونى دروسـًـا لن ينسوها، أصبح فى مخيلة البعض، مجرد «حلنجى» أو «فهلوى» يُضرب به المثل فى الكذب!!.. وأبطال سيناء الذين قاوموا الاحتلال الصهيونى، وكتبوا بدمائهم أنصع صفحات تاريخنا، ولا يزالون حتى كتابة هذه السطور، يدافعون عن تراب الوطن، ويساندون أبطال الجيش والشرطة فى الحرب على الإرهاب، أصبحوا فى ذهن البعض مجرد عملاء، أو تجار سلاح ومخدرات!!.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق
سوبر كورة
الأسبوع
سوبر كورة