بالعقل

فى ذكراه المئوية

مصطفى بكرى يكتب: «الوحدوى».. تأملات فى مسيرة الشيخ زايد آل نهيان

الأحد، 06 مايو 2018 04:53 م
مصطفى بكرى يكتب: «الوحدوى».. تأملات فى مسيرة الشيخ زايد آل نهيان
مصطفى بكري

الحلقة الأولى

تحل اليوم في السادس من مايو هذا العام، الذكرى المئوية لميلاد حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان )1918 - 2018(، حيث أقيمت الاحتفالات والندوات والمهرجانات الشعبية والرسمية فى كافة أنحاء العالم العربى، تخليدًا لذكراه وتأملًا لمسيرته الوحدوية والتنموية التى حظيت باهتمام بالغ فى كافة الأوساط المحلية والقومية والدولية.

وإذا كان الشيخ زايد آل نهيان )رحمة الله عليه( قد نجح فى تحقيق نقلة نوعية فى بلاده على مستوى التنمية والتطوير والتحديث فإن تجربته ودوره فى إنشاء دولة الاتحاد يعد الإنجاز الأهم فى مسيرته السياسية والاجتماعية.

لقد نجح الشيخ زايد فى التغلب على كافة المصاعب والعقبات التى اعترضت ولادة هذا الاتحاد، الذى أسس لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة فى 2 ديسمبر 1971، واستطاع الحفاظ على الدولة الوليدة بحكمته وقدرته على إحداث التوازن بين الواقع الاجتماعى والقبلى ومؤسسات الحكم، وتحقيق التطور السياسى والاقتصادى والاجتماعى وغرس الانتماء الوطنى فى النفوس.

وفى هذه الحلقات يرصد الكاتب الصحفى الزميل مصطفى بكرى بعضًا من فصول مسيرة الشيخ زايد فى بناء الاتحاد الذى لا يزال يعد من أهم إنجازاته السياسية على الاطلاق.

لم يكن الشيخ زايد بن سلطان حاكمًا بالفطرة كما يردد البعض، بل كان صاحب منهج ورؤية هى نتاج تاريخ طويل من التجارب والحكم امتد بجذوره إلى الأربعينيات، عندما كلفه شقيقه الشيخ )شخبوط( بمهمة الحفاظ على قوة ونفوذ قبيلة )بنى ياس( التى ينتمى إليها فى مدينة العين، ومنحه نعت ممثل الحاكم فى أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1946، وقد سعى فى هذه الفترة إلى التوفيق بين كافة أطراف القبيلة الواسعة النفوذ والانتشار، وتوحيدها، مستخدمًا فى ذلك لغة الحوار والتفاهم التى يجيدها، وقدرته التأثيرية وحكمته ومرونته فى التعامل مع الأزمات والمشكلات.

لقد نجح الشيخ زايد طيلة هذه الفترة وما أعقبها فى التواصل مع العديد من القبائل الأخرى، ليشكل بذلك نموذجًا للتعامل بين الجميع، ويكون دومًا مرجعية مهمة فى إنهاء المشكلات والخلافات التى كانت تطرأ بين الحين والآخر بين القبائل وبعضها البعض..

وعندما صعد دوره فى الفترة من 1962 حتى عام 1966 عندما تولى مقاليد الحكم فى أبو ظبى، فقد كان الشيخ زايد يتحرك وفق رؤية شاملة تقوم على عدد من العناصر الأساسية أهمها السعى إلى تحقيق التنمية والرفاهية فى البلاد، خاصة بعد تدفق النفط عام 62، والاهتمام بالتحديث والمضى قدمًا إلى الأمام، وصياغة مفهوم متكامل للوحدة السياسية فى البلاد ومع الإمارات الأخرى الواقعة فى منطقة الخليج.

ولا شك أن خبرة الشيخ زايد، التى جاءت نتاج دوره البارز فى لم شمل قبيلة )بنى ياس( التى تزعمتها أسرته بإجماع أبنائها، كان لها الدور الأهم فى فترة حكمه لإمارة أبو ظبى.

لقد نجح الشيخ زايد خلال هذه التجربة التى سبقت وصوله للحكم فى «أبو ظبى» فى استعادة نفوذ جده زايد الكبير الذى حكم خلال الفترة من )1855 - 1909( واستطاع توحيد القبيلة والكيان رغم الصعوبات والنزعات الانفصالية لدى البعض، وبعد وفاته تراجع نفوذ القبيلة بسبب الفوضى التى سادت بغياب )زايد الكبير( وظل الحل هكذا لعقود من الزمن، إلى أن جاء الشيخ زايد بن سلطان ليضع رؤية شاملة تقوم على التوافق والتوفيق، وتوحد الكيانات القبلية المختلفة، وتمنع تداعى هذه الأحداث مستقبلًا.

كان مفهوم الوحدة فى رؤية الشيخ زايد له جانبه السياسى والأخلاقى والتنموى، ورغم مهارته السياسية ووعيه بالواقع، إلا أنه كان يرى أن أى تجربة وحدوية لن يكتب لها النجاح إلا إذا قرأت الواقع قراءة صحيحة، لتأخذ مسارها الطبيعى المتدرج، مع مراعاة الخصائص الاجتماعية للكيانات المختلفة.

وقد كانت علاقة الشيخ زايد بالقبائل المختلفة فى المنطقة، وحكمته فى التعامل، قد وفرت له أكبر قاعدة شعبية يمكن الارتكان إليها فى أية تحركات سياسية، ذلك أن الثقة التى تولدت بحكم الزمن، كان لها دورها الفاعل فى الخطوات التى تلت توليه حكم إمارة أبو ظبى فى منتصف الستينيات.

وليس أدل على ذلك من التقرير الذى بعث به )لى دنزمور( القنصل الأمريكى العام فى الظهران بالمملكة العربية السعودية إلى حكومة بلاده فى نوفمبر 1968، والذى تحدث فيه عن أول لقاء جمعه بالشيخ زايد الحاكم الجديد لإمارة أبو ظبى بقوله: «إن الشيخ زايد يعتبر وبكل موضوعية رجلًا ذا قوة يحسب لها ألف حساب، بفضل ذكائه وثرائه، ورغبته فى تسخير الثروة لخدمة مواطنيه».

وقال: «إن الشيخ زايد رجل مفعم بالحيوية، قادر على اجتذاب مستمعيه بحديثه المشوق الذى يستخدم فيه ايماءاته وتعبيرات وجهه ببراعة، ويورد دائمًا قصصًا ومواقف حدثت بالفعل ليشرح فكرته ويؤيدها».

لقد كان كل من التقوا الشيخ زايد فى الفترات التاريخية المختلفة يخرجون بهذا الانطباع، الذى يؤكد وعى الرجل وخبرته وأخلاقياته وفهمه العميق لمفهوم الشرف الذى يحكم طبيعة العلاقات بين البدو، وقدرته على الإقناع بالحجة والمنطق والتمسك بكلمة الشرف فى كل مواقفه.

ويتسم مفهوم الوحدة عند الشيخ زايد بجوهر الوجود الإنسانى ذاته، وضمان تقدمه، وليس بمصلحة سياسية ضيقة الأفق، وقد أدرك أن ذلك يستدعى إزالة الخلافات والانقسامات بين شعوب الأرض، والتى كان يرى أنها السبب الأساسى وراء ضعف البنية الاجتماعية التى تحول دون تقدم المجتمعات.

عندما بدأ الشيخ زايد ينظر إلى خارج حدود إمارة أبو ظبى أدرك أن الخيار الوحيد لنهوض هذه المنطقة هى فى وحدتها وتكاتفها، غير أنه كان يعرف جيدًا من خلال التباينات القبلية والاجتماعية أن الطريق صعب وشائك ومعقد، وأن عوامل عديدة تتجاذبه، وأن حدة الاستقطاب تكاد تعصف ببنيانه، إلا أنه كان على ثقة أن عقيدة الإيمان بوحدة الهدف واستخدام الأساليب المناسبة لتحقيقه قادرة على تحقيق الإنجاز ونجاح المشروع.

لقد أدرك الشيخ زايد بعد حوارات ومفاوضات متعددة مع العديد من رموز القبائل وحكام الإمارات، أن الفهم الصحيح يقول إن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ بالاتفاق بينه وبين حاكم إمارة دبى «الشيخ راشد آل مكتوم»، ومن هنا سعى إلى البحث عن أرضية مشتركة، ووجد لدى الشيخ راشد رؤية ثاقبة، وحرص على مشروع الاتحاد، وعبر مفاوضات عديدة تناولت كافة الأمور المطروحة فى الحاضر والمستقبل، تم الوصول إلى اتفاقية تضمنت الإعلان عن إقامة الاتحاد بين الإماراتين، وجرى توقيعها فى 18 فبراير 1968.

لقد أحدثت هذه الاتفاقية ردود فعل واسعة النطاق لدى الإمارات الخليجية المختلفة، بل وخارجها، ومن ثم فقد فتحت الباب واسعًا أمام نجاح المفاوضات التى كانت تجرى فى هذا الوقت مع هذه الإمارات لإقامة اتحاد أشمل بينها جميعًا.

ولقد وجد النداء الذى وجهه الشيخ زايد آل نهيان والشيخ راشد آل مكتوم إلى هذه الإمارات تأييدًا واسعًا لدى الإمارات التسع فى البداية، )الإمارات الحالية وقطر والبحرين(، فوقعت اتفاقية 27 فبراير 1968، والتى تقضى بالتعاون لإقامة اتحاد يجمع بينها جميعًا.

وعلى مدى ثلاث سنوات من الحوار الصعب كان الشيخ زايد يسعى إلى إزالة كافة العقبات التى تعترض طريق الاتحاد بين الإمارات المختلفة، واجه فيها مشكلات متعددة، إلا أنه اضطر للتدخل الحاسم، فاقتصر الاتحاد على الإمارات السبع بعيدًا عن قطر والبحرين اللتين كانتا لهما رؤى مختلفة فى هذا الوقت، وفى الثانى من ديسمبر 1971 تم الإعلان عن الدولة الجديدة التى ضمت ست إمارات فقط، ثم سرعان ما انضمت إليها إمارة رأس الخيمة بعد ذلك.

ومنذ هذا الوقت بدأ الشيخ زايد عملية التنمية الشاملة فى الدولة الوليدة بعد انتخابه رئيسًا لها، ووضع كافة إمكانات أبو ظبى ومواردها تحت تصرف دولة الاتحاد الجديد.

وقد سعى الشيخ زايد منذ البداية إلى إزالة مخاوف بعض حكام الإمارات المنضمة للاتحاد من تجريدهم من سلطاتهم فى الحكم والإدارة، إلا أن الشيخ زايد كان واضحًا ومرنًا منذ البداية فى إدارة ملفات الدولة والحرص على استقلالية الإمارات المشاركة فى الاتحاد فى العديد من الملفات الخاصة بشئون الحكم فيها.

لقد تأسست الدولة فى عام 1971، وكان الشيخ زايد يحدو منذ البداية إلى تغيير نمط التفكير المتأصل والمتوارث منذ عقود طويلة من الزمن فى إطار العلاقة التقليدية بين الحاكم والمواطن.

وكان يدرك أن نجاح الدولة الوليدة هو فى غرس الانتماء الوطنى وتأكيد دور الحكومة المركزية وعلاقتها بالشعب، منطلقًا من أن قدرة الحكومة على الإدارة وتوفير الحاجات الضرورية لشعب الإمارات من شأنه أن يؤكد مفهوم العلاقة الجديدة التى سعى الشيخ زايد إلى ترسيخها فى نفوس وعقول المواطنين.

وأمام هذا التطور السريع والأسس التى رسخ لها فى علاقة الدولة بالمواطنين قررت إمارة رأس الخيمة الانضمام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة فى العاشر من فبراير عام 1972 وأعلنت قبولها بالدستور الموقت للاتحاد.

لقد مثلت هذه الخطوة نقطة تحول مهمة فى مسيرة الاتحاد، ونجاح لمساعى الشيخ زايد ولمشروعه الوحدوى، الذى بات مشروعًا فريدًا فى العالم العربى بعد إخفاق العديد من التجارب الوحدوية.

لقد كان إيمان الشيخ زايد وصبره وتفانيه فى الأداء هو العامل الأساسى فى التغلب على الكثير من المصاعب التى اعترضت طريق الاتحاد ولذلك لم يجد غضاضة أن يوجه خطابًا إلى إخوانه الحكام قال فيه: «إن مسيرة الاتحاد تنمو وتتقدم من مرحلة إلى أخرى، وفى كل مرحلة علينا أن نراجع ما تحقق.. حتى نواصل المسيرة ونسرع الخطى لتحقيق آمال شعبنا.. إن أمتنا تنتظر منا أن نحقق لها ما يسعدها، وأن ننتقل بها إلى ما هو أفضل».

لقد واجه الشيخ زايد بن سلطان رئيس الدولة تحديات كبيرة للحفاظ على الدولة الوليدة وترسيخ أقدامها على الأرض، خاصة أنها تتكون من إمارات متفاوتة فى درجة تطورها الاجتماعى والاقتصادى.

ولذلك سعى منذ البداية إلى توزيع عوائد النفط على الإمارات التى توجد بها ندرة فى الموارد الاقتصادية، خاصة تلك الإمارات التى تعيش فى الإمارات الشمالية وتحديدًا فى المناطق الصحراوية.

لقد شكل الشيخ زايد حالة استثنائية فريدة، حيث كان يتمتع بتأييد شعبى عارم، خاصة أن أبناء شعبه أدركوا عن يقين أن رئيس الدولة يعمل على تأمين مستقبلهم وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم ورفع مستوى معيشتهم وتحديث إماراتهم.

لقد أطلق شعب الإمارات على الشيخ زايد وصف «أبو الأمة» بعد أن أدركت الجماهير حجم الجهود التى يبذلها من أجل تدعيم الاتحاد وتنمية الإمارات والسعى إلى الحفاظ على هوية كل إمارة واستقلالها الذاتى تحت مظلة الاتحاد الذى حقق تجربة وحدوية صمدت فى مواجهة العواصف والعراقيل.

إن وعى الشيخ زايد بالتباينات الاجتماعية بين إمارات الاتحاد وقراءاته للمشهد منذ فترة مبكرة جعلته قادرًا على استيعاب الخلافات والمشكلات المؤقتة والعمل على حلها بروية وهدوء، وتجاوزها بحكمة وموضوعية، ولذلك فإن اطلاق مسمى «حكيم العرب» عليه لم يأت من فراغ، وإنما لقدرته ونجاحاته فى التعامل بحكمة ووعى، مكن الاتحاد من الصمود منذ 1971 حتى اليوم.

ولم يكن نجاح الشيخ زايد فى الحفاظ على الاتحاد وبنيته مبنى على أسباب عاطفية أو مصلحية فحسب، بل بقدرته على زرع وغرس قيم الوحدة وأهميتها فى قلوب وعقول جميع مواطنى دولة الإمارات العربية المتحدة.

لقد كان يحلو للشيخ زايد )رحمة الله عليه( أن يؤكد الهوية الوطنية الجديدة لأبناء الإمارات بالقول: «نحن بأنفسنا الذين رسمنا خطة الاتحاد، لا عن خبرة، بل عن إيمان بأمتنا، إيمان بالوطن وإيمان بضرورة الوحدة».

وكان يقول: «أنا لا أفرض الوحدة على أحد، هذا استبداد، كل منا له رأيه المختلف عن رأى الآخر، نحن نتبادل الآراء والأفكار ونصهرها فى بوتقة واحدة ثم نستخلص جوهرها، هذه هى ديمقراطيتنا، إنها ديمقراطية الوحدة».

لقد ظل الشيخ زايد طيلة مسيرته يؤكد ضرورات بناء الدولة ونهضتها وترسيخ مفاهيم الانتماء الوطنى مع قبول الخصائص الفردية التى تتميز بها كل إمارة على حدة.

وفى نفس الوقت يعطى أولوية مهمة لمفهوم «الأمن القومى» والمرتبط بالأبعاد الخارجية للسياسة الدفاعية والعلاقات الدولية، ولذلك كان يتعامل مع هذه القضايا فى إطار يضمن الحفاظ على كيان الدولة وتوطيد أركانها مع الحرص على التمسك بالثوابت والقيم الأساسية فى التعامل مع السياسة الخارجية والدفاعية، وهو ما يحرص عليه أبناؤه من قادة الإمارات فى الوقت الحالى.

إن المعجزة الحقيقية فى تجربة «الاتحاد» هى فى تلك المنظومة التى رسخ ثوابتها الشيخ زايد، وباتت هى الإطار المستمر لديمومة الاتحاد وحتى الآن، وهى القائمة على تحقيق التطور والتغيير بمعدلات متسارعة فى الوقت الذى تراعى فيه عوامل التماسك والاستقرار والتوازن الاجتماعى، ذلك أن تحويل المجتمعات القبلية إلى دولة عصرية بات فى مقدمة الدول الآن، أمر غير عادى، وفرض استثنائى لا يستطيع أن يحققه إلا قائد استثنائى أجمع عليه شعب الإمارات بكافة اتجاهاته الاجتماعية والقبلية والسياسية.

لم يكن الشيخ زايد حاكمًا )فرديًا( يأمر فيطاع، كما كان شائعًا فى المنطقة فى هذه الفترة، بل سعى منذ البداية إلى تفعيل دور المؤسسات الاتحادية مع احترام دور الهياكل المحلية فى كل إمارة، بما يحتوى فى النهاية ديمقراطية القرار والإدارة الجماعية لشئون الدولة.

لقد كان الشيخ زايد يدرك أن عامل الزمن هو فى صالح تلك الدولة الوليدة، ولذلك كان يدرك عن يقين أن عناصر التباين بين الإمارات السبع المكونة للاتحاد، سرعان ما تتلاشى وتتضاءل مع تعاقب الأجيال، وتوفير الآلية الفاعلة للتكيف مع تطورات العصر وخلف دولة حديثة تقوم على أسس وثوابت المواطنة بين أبناء الوطن بأسره.

وتتجلى حكمة الشيخ زايد فى إطار هذا المشروع فى قدرته النافذة على كسب ثقة حكام الإمارات الذين انخرطوا فى إطار المجلس الأعلى للدولة، وبين ثقة الشعب الإماراتى وولائه للدولة وقائدها، خاصة بعد أن لمس الجميع حكمة الإدارة والدعم المؤسسى ومشاريع التنمية والنهوض التى شملت الإمارات المكونة للاتحاد جميعها.

لقد قامت فلسفة الشيخ زايد فى دعم الاتحاد واستمراره على عاملين أساسيين:

- تفعيل دور الفرد )الرجل والمرأة( بما يحقق الاستثمار الأمثل للطاقة البشرية.

- تفعيل دور المؤسسات الجديدة التى باتت العامل المهم فى نهوض الدولة، والإمساك بمفاتيح التطور لبناء دولة عصرية.

كان الشيخ زايد يمتلك إرادة سياسية، وقدرة على اتخاذ القرار قائمة على أسس معرفية واستراتيجية وفى ذات الوقت كانت لديه قدرة غريبة على المزج بين صناعة القرار والإدارة الرشيدة وبين تأكيد الدور الاجتماعى والتنموى للدولة فى إطار الاتحاد وانعكاس ذلك على الحياة المعيشية للمواطنين.

ولم يكن اهتمام الشيخ زايد بإنشاء بنية تحتية حديثة، وربط الإمارات المختلفة بشبكة واسعة من الطرق والبدء فى المشروعات التنموية على أرضها، إلا بمثابة ترسيخ لأهمية الاتحاد فى ذهنية أبناء شعبه، الذى تأقلم مع الخطة الجديدة وتفاعل معها.

وكان بناء جيش موحد للإمارات المختلفة هو خطوة ضرورية للحفاظ على الاتحاد والدفاع عن الأمن القومى للدولة التى واجهت مخاطر متعددة، خاصة من إيران الدولة المجاورة والتى احتلت ثلاثًا من الجزر الإماراتية المهمة «أبو طنب الكبرى وأبو طنب الصغرى وأبو موسى».

وقد استطاع هذا الجيش الاتحادى فى بداية تكوينه من سحق المؤامرة الانقلابية التى أدت إلى مصرع الشيخ خالد القاسمى حاكم إمارة الشارقة وتحديدًا فى يناير 1972، والاعتراف بالشيخ سلطان القاسمى حاكمًا شرعيًا للإمارة، وهو أمر كان له أثره الكبير وكان بمثابة رسالة لكل من شككوا فى الاتحاد وجدواه.

وعندما وجد الشيخ زايد أن هناك اعتراضات على توحيد قوات الأمن والدفاع بعد نحو خمس سنوات من ولادة دولة الإمارات والعمل بالدستور المؤقت، قرر تقديم استقالته من رئاسة الاتحاد فى ديسمبر 1976، وهو أمر لقى معارضة شديدة من شعب الإمارات وحكامها، مما دفعهم جميعًا إلى القبول بمقترح الشيخ زايد وإضافة بند إلى الدستور المؤقت يمنح الدولة الاتحادية وحدها دون غيرها حق إنشاء القوات المسلحة.

وكان عام 1979 نقطة فاصلة فى تاريخ هذا الاتحاد، إذ انطلقت مظاهرات تطالب بالوحدة الكاملة بين الإمارات، إلا أن تولى الشيخ راشد آل مكتوم منصب رئيس الوزراء إلى جانب منصب نائب رئيس الدولة كان له أثره ودوره فى إثراء المسيرة وضمان المزيد من التماسك لدولة الاتحاد وتطوير أدائها.

مصطفى بكرى يكتب: «الوحدوى».. تأملات فى مسيرة الشيخ زايد آل نهيان

الحلقة الأولى

حلت أمس فى السادس من مايو هذا العام، الذكرى المئوية لميلاد حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان )1918 - 2018(، حيث أقيمت الاحتفالات والندوات والمهرجانات الشعبية والرسمية فى كافة أنحاء العالم العربى، تخليدًا لذكراه وتأملًا لمسيرته الوحدوية والتنموية التى حظيت باهتمام بالغ فى كافة الأوساط المحلية والقومية والدولية.

وإذا كان الشيخ زايد آل نهيان )رحمة الله عليه( قد نجح فى تحقيق نقلة نوعية فى بلاده على مستوى التنمية والتطوير والتحديث فإن تجربته ودوره فى إنشاء دولة الاتحاد يعد الإنجاز الأهم فى مسيرته السياسية والاجتماعية.

لقد نجح الشيخ زايد فى التغلب على كافة المصاعب والعقبات التى اعترضت ولادة هذا الاتحاد، الذى أسس لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة فى 2 ديسمبر 1971، واستطاع الحفاظ على الدولة الوليدة بحكمته وقدرته على إحداث التوازن بين الواقع الاجتماعى والقبلى ومؤسسات الحكم، وتحقيق التطور السياسى والاقتصادى والاجتماعى وغرس الانتماء الوطنى فى النفوس.

وفى هذه الحلقات يرصد الكاتب الصحفى الزميل مصطفى بكرى بعضًا من فصول مسيرة الشيخ زايد فى بناء الاتحاد الذى لا يزال يعد من أهم إنجازاته السياسية على الاطلاق.

لم يكن الشيخ زايد بن سلطان حاكمًا بالفطرة كما يردد البعض، بل كان صاحب منهج ورؤية هى نتاج تاريخ طويل من التجارب والحكم امتد بجذوره إلى الأربعينيات، عندما كلفه شقيقه الشيخ )شخبوط( بمهمة الحفاظ على قوة ونفوذ قبيلة )بنى ياس( التى ينتمى إليها فى مدينة العين، ومنحه نعت ممثل الحاكم فى أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1946، وقد سعى فى هذه الفترة إلى التوفيق بين كافة أطراف القبيلة الواسعة النفوذ والانتشار، وتوحيدها، مستخدمًا فى ذلك لغة الحوار والتفاهم التى يجيدها، وقدرته التأثيرية وحكمته ومرونته فى التعامل مع الأزمات والمشكلات.

لقد نجح الشيخ زايد طيلة هذه الفترة وما أعقبها فى التواصل مع العديد من القبائل الأخرى، ليشكل بذلك نموذجًا للتعامل بين الجميع، ويكون دومًا مرجعية مهمة فى إنهاء المشكلات والخلافات التى كانت تطرأ بين الحين والآخر بين القبائل وبعضها البعض..

وعندما صعد دوره فى الفترة من 1962 حتى عام 1966 عندما تولى مقاليد الحكم فى أبو ظبى، فقد كان الشيخ زايد يتحرك وفق رؤية شاملة تقوم على عدد من العناصر الأساسية أهمها السعى إلى تحقيق التنمية والرفاهية فى البلاد، خاصة بعد تدفق النفط عام 62، والاهتمام بالتحديث والمضى قدمًا إلى الأمام، وصياغة مفهوم متكامل للوحدة السياسية فى البلاد ومع الإمارات الأخرى الواقعة فى منطقة الخليج.

ولا شك أن خبرة الشيخ زايد، التى جاءت نتاج دوره البارز فى لم شمل قبيلة )بنى ياس( التى تزعمتها أسرته بإجماع أبنائها، كان لها الدور الأهم فى فترة حكمه لإمارة أبو ظبى.

لقد نجح الشيخ زايد خلال هذه التجربة التى سبقت وصوله للحكم فى «أبو ظبى» فى استعادة نفوذ جده زايد الكبير الذى حكم خلال الفترة من )1855 - 1909( واستطاع توحيد القبيلة والكيان رغم الصعوبات والنزعات الانفصالية لدى البعض، وبعد وفاته تراجع نفوذ القبيلة بسبب الفوضى التى سادت بغياب )زايد الكبير( وظل الحل هكذا لعقود من الزمن، إلى أن جاء الشيخ زايد بن سلطان ليضع رؤية شاملة تقوم على التوافق والتوفيق، وتوحد الكيانات القبلية المختلفة، وتمنع تداعى هذه الأحداث مستقبلًا.

كان مفهوم الوحدة فى رؤية الشيخ زايد له جانبه السياسى والأخلاقى والتنموى، ورغم مهارته السياسية ووعيه بالواقع، إلا أنه كان يرى أن أى تجربة وحدوية لن يكتب لها النجاح إلا إذا قرأت الواقع قراءة صحيحة، لتأخذ مسارها الطبيعى المتدرج، مع مراعاة الخصائص الاجتماعية للكيانات المختلفة.

وقد كانت علاقة الشيخ زايد بالقبائل المختلفة فى المنطقة، وحكمته فى التعامل، قد وفرت له أكبر قاعدة شعبية يمكن الارتكان إليها فى أية تحركات سياسية، ذلك أن الثقة التى تولدت بحكم الزمن، كان لها دورها الفاعل فى الخطوات التى تلت توليه حكم إمارة أبو ظبى فى منتصف الستينيات.

وليس أدل على ذلك من التقرير الذى بعث به )لى دنزمور( القنصل الأمريكى العام فى الظهران بالمملكة العربية السعودية إلى حكومة بلاده فى نوفمبر 1968، والذى تحدث فيه عن أول لقاء جمعه بالشيخ زايد الحاكم الجديد لإمارة أبو ظبى بقوله: «إن الشيخ زايد يعتبر وبكل موضوعية رجلًا ذا قوة يحسب لها ألف حساب، بفضل ذكائه وثرائه، ورغبته فى تسخير الثروة لخدمة مواطنيه».

وقال: «إن الشيخ زايد رجل مفعم بالحيوية، قادر على اجتذاب مستمعيه بحديثه المشوق الذى يستخدم فيه ايماءاته وتعبيرات وجهه ببراعة، ويورد دائمًا قصصًا ومواقف حدثت بالفعل ليشرح فكرته ويؤيدها».

لقد كان كل من التقوا الشيخ زايد فى الفترات التاريخية المختلفة يخرجون بهذا الانطباع، الذى يؤكد وعى الرجل وخبرته وأخلاقياته وفهمه العميق لمفهوم الشرف الذى يحكم طبيعة العلاقات بين البدو، وقدرته على الإقناع بالحجة والمنطق والتمسك بكلمة الشرف فى كل مواقفه.

ويتسم مفهوم الوحدة عند الشيخ زايد بجوهر الوجود الإنسانى ذاته، وضمان تقدمه، وليس بمصلحة سياسية ضيقة الأفق، وقد أدرك أن ذلك يستدعى إزالة الخلافات والانقسامات بين شعوب الأرض، والتى كان يرى أنها السبب الأساسى وراء ضعف البنية الاجتماعية التى تحول دون تقدم المجتمعات.

عندما بدأ الشيخ زايد ينظر إلى خارج حدود إمارة أبو ظبى أدرك أن الخيار الوحيد لنهوض هذه المنطقة هى فى وحدتها وتكاتفها، غير أنه كان يعرف جيدًا من خلال التباينات القبلية والاجتماعية أن الطريق صعب وشائك ومعقد، وأن عوامل عديدة تتجاذبه، وأن حدة الاستقطاب تكاد تعصف ببنيانه، إلا أنه كان على ثقة أن عقيدة الإيمان بوحدة الهدف واستخدام الأساليب المناسبة لتحقيقه قادرة على تحقيق الإنجاز ونجاح المشروع.

لقد أدرك الشيخ زايد بعد حوارات ومفاوضات متعددة مع العديد من رموز القبائل وحكام الإمارات، أن الفهم الصحيح يقول إن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ بالاتفاق بينه وبين حاكم إمارة دبى «الشيخ راشد آل مكتوم»، ومن هنا سعى إلى البحث عن أرضية مشتركة، ووجد لدى الشيخ راشد رؤية ثاقبة، وحرص على مشروع الاتحاد، وعبر مفاوضات عديدة تناولت كافة الأمور المطروحة فى الحاضر والمستقبل، تم الوصول إلى اتفاقية تضمنت الإعلان عن إقامة الاتحاد بين الإماراتين، وجرى توقيعها فى 18 فبراير 1968.

لقد أحدثت هذه الاتفاقية ردود فعل واسعة النطاق لدى الإمارات الخليجية المختلفة، بل وخارجها، ومن ثم فقد فتحت الباب واسعًا أمام نجاح المفاوضات التى كانت تجرى فى هذا الوقت مع هذه الإمارات لإقامة اتحاد أشمل بينها جميعًا.

ولقد وجد النداء الذى وجهه الشيخ زايد آل نهيان والشيخ راشد آل مكتوم إلى هذه الإمارات تأييدًا واسعًا لدى الإمارات التسع فى البداية، )الإمارات الحالية وقطر والبحرين(، فوقعت اتفاقية 27 فبراير 1968، والتى تقضى بالتعاون لإقامة اتحاد يجمع بينها جميعًا.

وعلى مدى ثلاث سنوات من الحوار الصعب كان الشيخ زايد يسعى إلى إزالة كافة العقبات التى تعترض طريق الاتحاد بين الإمارات المختلفة، واجه فيها مشكلات متعددة، إلا أنه اضطر للتدخل الحاسم، فاقتصر الاتحاد على الإمارات السبع بعيدًا عن قطر والبحرين اللتين كانتا لهما رؤى مختلفة فى هذا الوقت، وفى الثانى من ديسمبر 1971 تم الإعلان عن الدولة الجديدة التى ضمت ست إمارات فقط، ثم سرعان ما انضمت إليها إمارة رأس الخيمة بعد ذلك.

ومنذ هذا الوقت بدأ الشيخ زايد عملية التنمية الشاملة فى الدولة الوليدة بعد انتخابه رئيسًا لها، ووضع كافة إمكانات أبو ظبى ومواردها تحت تصرف دولة الاتحاد الجديد.

وقد سعى الشيخ زايد منذ البداية إلى إزالة مخاوف بعض حكام الإمارات المنضمة للاتحاد من تجريدهم من سلطاتهم فى الحكم والإدارة، إلا أن الشيخ زايد كان واضحًا ومرنًا منذ البداية فى إدارة ملفات الدولة والحرص على استقلالية الإمارات المشاركة فى الاتحاد فى العديد من الملفات الخاصة بشئون الحكم فيها.

لقد تأسست الدولة فى عام 1971، وكان الشيخ زايد يحدو منذ البداية إلى تغيير نمط التفكير المتأصل والمتوارث منذ عقود طويلة من الزمن فى إطار العلاقة التقليدية بين الحاكم والمواطن.

وكان يدرك أن نجاح الدولة الوليدة هو فى غرس الانتماء الوطنى وتأكيد دور الحكومة المركزية وعلاقتها بالشعب، منطلقًا من أن قدرة الحكومة على الإدارة وتوفير الحاجات الضرورية لشعب الإمارات من شأنه أن يؤكد مفهوم العلاقة الجديدة التى سعى الشيخ زايد إلى ترسيخها فى نفوس وعقول المواطنين.

وأمام هذا التطور السريع والأسس التى رسخ لها فى علاقة الدولة بالمواطنين قررت إمارة رأس الخيمة الانضمام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة فى العاشر من فبراير عام 1972 وأعلنت قبولها بالدستور الموقت للاتحاد.

لقد مثلت هذه الخطوة نقطة تحول مهمة فى مسيرة الاتحاد، ونجاح لمساعى الشيخ زايد ولمشروعه الوحدوى، الذى بات مشروعًا فريدًا فى العالم العربى بعد إخفاق العديد من التجارب الوحدوية.

لقد كان إيمان الشيخ زايد وصبره وتفانيه فى الأداء هو العامل الأساسى فى التغلب على الكثير من المصاعب التى اعترضت طريق الاتحاد ولذلك لم يجد غضاضة أن يوجه خطابًا إلى إخوانه الحكام قال فيه: «إن مسيرة الاتحاد تنمو وتتقدم من مرحلة إلى أخرى، وفى كل مرحلة علينا أن نراجع ما تحقق.. حتى نواصل المسيرة ونسرع الخطى لتحقيق آمال شعبنا.. إن أمتنا تنتظر منا أن نحقق لها ما يسعدها، وأن ننتقل بها إلى ما هو أفضل».

لقد واجه الشيخ زايد بن سلطان رئيس الدولة تحديات كبيرة للحفاظ على الدولة الوليدة وترسيخ أقدامها على الأرض، خاصة أنها تتكون من إمارات متفاوتة فى درجة تطورها الاجتماعى والاقتصادى.

ولذلك سعى منذ البداية إلى توزيع عوائد النفط على الإمارات التى توجد بها ندرة فى الموارد الاقتصادية، خاصة تلك الإمارات التى تعيش فى الإمارات الشمالية وتحديدًا فى المناطق الصحراوية.

لقد شكل الشيخ زايد حالة استثنائية فريدة، حيث كان يتمتع بتأييد شعبى عارم، خاصة أن أبناء شعبه أدركوا عن يقين أن رئيس الدولة يعمل على تأمين مستقبلهم وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم ورفع مستوى معيشتهم وتحديث إماراتهم.

لقد أطلق شعب الإمارات على الشيخ زايد وصف «أبو الأمة» بعد أن أدركت الجماهير حجم الجهود التى يبذلها من أجل تدعيم الاتحاد وتنمية الإمارات والسعى إلى الحفاظ على هوية كل إمارة واستقلالها الذاتى تحت مظلة الاتحاد الذى حقق تجربة وحدوية صمدت فى مواجهة العواصف والعراقيل.

إن وعى الشيخ زايد بالتباينات الاجتماعية بين إمارات الاتحاد وقراءاته للمشهد منذ فترة مبكرة جعلته قادرًا على استيعاب الخلافات والمشكلات المؤقتة والعمل على حلها بروية وهدوء، وتجاوزها بحكمة وموضوعية، ولذلك فإن اطلاق مسمى «حكيم العرب» عليه لم يأت من فراغ، وإنما لقدرته ونجاحاته فى التعامل بحكمة ووعى، مكن الاتحاد من الصمود منذ 1971 حتى اليوم.

ولم يكن نجاح الشيخ زايد فى الحفاظ على الاتحاد وبنيته مبنى على أسباب عاطفية أو مصلحية فحسب، بل بقدرته على زرع وغرس قيم الوحدة وأهميتها فى قلوب وعقول جميع مواطنى دولة الإمارات العربية المتحدة.

لقد كان يحلو للشيخ زايد )رحمة الله عليه( أن يؤكد الهوية الوطنية الجديدة لأبناء الإمارات بالقول: «نحن بأنفسنا الذين رسمنا خطة الاتحاد، لا عن خبرة، بل عن إيمان بأمتنا، إيمان بالوطن وإيمان بضرورة الوحدة».

وكان يقول: «أنا لا أفرض الوحدة على أحد، هذا استبداد، كل منا له رأيه المختلف عن رأى الآخر، نحن نتبادل الآراء والأفكار ونصهرها فى بوتقة واحدة ثم نستخلص جوهرها، هذه هى ديمقراطيتنا، إنها ديمقراطية الوحدة».

لقد ظل الشيخ زايد طيلة مسيرته يؤكد ضرورات بناء الدولة ونهضتها وترسيخ مفاهيم الانتماء الوطنى مع قبول الخصائص الفردية التى تتميز بها كل إمارة على حدة.

وفى نفس الوقت يعطى أولوية مهمة لمفهوم «الأمن القومى» والمرتبط بالأبعاد الخارجية للسياسة الدفاعية والعلاقات الدولية، ولذلك كان يتعامل مع هذه القضايا فى إطار يضمن الحفاظ على كيان الدولة وتوطيد أركانها مع الحرص على التمسك بالثوابت والقيم الأساسية فى التعامل مع السياسة الخارجية والدفاعية، وهو ما يحرص عليه أبناؤه من قادة الإمارات فى الوقت الحالى.

إن المعجزة الحقيقية فى تجربة «الاتحاد» هى فى تلك المنظومة التى رسخ ثوابتها الشيخ زايد، وباتت هى الإطار المستمر لديمومة الاتحاد وحتى الآن، وهى القائمة على تحقيق التطور والتغيير بمعدلات متسارعة فى الوقت الذى تراعى فيه عوامل التماسك والاستقرار والتوازن الاجتماعى، ذلك أن تحويل المجتمعات القبلية إلى دولة عصرية بات فى مقدمة الدول الآن، أمر غير عادى، وفرض استثنائى لا يستطيع أن يحققه إلا قائد استثنائى أجمع عليه شعب الإمارات بكافة اتجاهاته الاجتماعية والقبلية والسياسية.

لم يكن الشيخ زايد حاكمًا )فرديًا( يأمر فيطاع، كما كان شائعًا فى المنطقة فى هذه الفترة، بل سعى منذ البداية إلى تفعيل دور المؤسسات الاتحادية مع احترام دور الهياكل المحلية فى كل إمارة، بما يحتوى فى النهاية ديمقراطية القرار والإدارة الجماعية لشئون الدولة.

لقد كان الشيخ زايد يدرك أن عامل الزمن هو فى صالح تلك الدولة الوليدة، ولذلك كان يدرك عن يقين أن عناصر التباين بين الإمارات السبع المكونة للاتحاد، سرعان ما تتلاشى وتتضاءل مع تعاقب الأجيال، وتوفير الآلية الفاعلة للتكيف مع تطورات العصر وخلف دولة حديثة تقوم على أسس وثوابت المواطنة بين أبناء الوطن بأسره.

وتتجلى حكمة الشيخ زايد فى إطار هذا المشروع فى قدرته النافذة على كسب ثقة حكام الإمارات الذين انخرطوا فى إطار المجلس الأعلى للدولة، وبين ثقة الشعب الإماراتى وولائه للدولة وقائدها، خاصة بعد أن لمس الجميع حكمة الإدارة والدعم المؤسسى ومشاريع التنمية والنهوض التى شملت الإمارات المكونة للاتحاد جميعها.

لقد قامت فلسفة الشيخ زايد فى دعم الاتحاد واستمراره على عاملين أساسيين:

- تفعيل دور الفرد )الرجل والمرأة( بما يحقق الاستثمار الأمثل للطاقة البشرية.

- تفعيل دور المؤسسات الجديدة التى باتت العامل المهم فى نهوض الدولة، والإمساك بمفاتيح التطور لبناء دولة عصرية.

كان الشيخ زايد يمتلك إرادة سياسية، وقدرة على اتخاذ القرار قائمة على أسس معرفية واستراتيجية وفى ذات الوقت كانت لديه قدرة غريبة على المزج بين صناعة القرار والإدارة الرشيدة وبين تأكيد الدور الاجتماعى والتنموى للدولة فى إطار الاتحاد وانعكاس ذلك على الحياة المعيشية للمواطنين.

ولم يكن اهتمام الشيخ زايد بإنشاء بنية تحتية حديثة، وربط الإمارات المختلفة بشبكة واسعة من الطرق والبدء فى المشروعات التنموية على أرضها، إلا بمثابة ترسيخ لأهمية الاتحاد فى ذهنية أبناء شعبه، الذى تأقلم مع الخطة الجديدة وتفاعل معها.

وكان بناء جيش موحد للإمارات المختلفة هو خطوة ضرورية للحفاظ على الاتحاد والدفاع عن الأمن القومى للدولة التى واجهت مخاطر متعددة، خاصة من إيران الدولة المجاورة والتى احتلت ثلاثًا من الجزر الإماراتية المهمة «أبو طنب الكبرى وأبو طنب الصغرى وأبو موسى».

وقد استطاع هذا الجيش الاتحادى فى بداية تكوينه من سحق المؤامرة الانقلابية التى أدت إلى مصرع الشيخ خالد القاسمى حاكم إمارة الشارقة وتحديدًا فى يناير 1972، والاعتراف بالشيخ سلطان القاسمى حاكمًا شرعيًا للإمارة، وهو أمر كان له أثره الكبير وكان بمثابة رسالة لكل من شككوا فى الاتحاد وجدواه.

وعندما وجد الشيخ زايد أن هناك اعتراضات على توحيد قوات الأمن والدفاع بعد نحو خمس سنوات من ولادة دولة الإمارات والعمل بالدستور المؤقت، قرر تقديم استقالته من رئاسة الاتحاد فى ديسمبر 1976، وهو أمر لقى معارضة شديدة من شعب الإمارات وحكامها، مما دفعهم جميعًا إلى القبول بمقترح الشيخ زايد وإضافة بند إلى الدستور المؤقت يمنح الدولة الاتحادية وحدها دون غيرها حق إنشاء القوات المسلحة.

وكان عام 1979 نقطة فاصلة فى تاريخ هذا الاتحاد، إذ انطلقت مظاهرات تطالب بالوحدة الكاملة بين الإمارات، إلا أن تولى الشيخ راشد آل مكتوم منصب رئيس الوزراء إلى جانب منصب نائب رئيس الدولة كان له أثره ودوره فى إثراء المسيرة وضمان المزيد من التماسك لدولة الاتحاد وتطوير أدائها.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق
سوبر كورة
الأسبوع
سوبر كورة