بالعقل

وحشتينى

الأحد، 20 مايو 2018 10:13 م
وحشتينى
مصطفى بكرى
مصطفى بكرى

يأخذنى الحنين إليك، اشتاق إلى الوجه الأسمر الجميل، إلى حضنك الدافئ، إلى كلماتك، إلى أنفاسك وهى تشهق، إلى دقات قلبك التى أشعر بها قبل أن تشعرى، إلى كلماتك ونصائحك، إلى خوفك علىّ رغم كبر السن.

فى كل مرة أقصد بلدتى، تساورنى الشكوك ربما ألقاك هذه المرة، أنسى رحيلك الذى مضى عليه ثلاث سنوات، أتذكر لحظات انتظارك، وانت ترتدين الجلباب الأسمر، الذى خلد فى ذاكرتى منذ الصغر، ابتسامتك العريضة عندما تحين ساعة اللقاء، ودموعك التى تنهمر عندما تحين لحظة الفراق..

سنوات عديدة مرت، اختفت فيها الابتسامة وبقيت الدموع، أشعر أن عوامل التعرية تزحف على أشياء جميلة فى حياتى ولكنك تبقين انت، تنعشين ذاكرتى بلحظات لا تنسى..

كنت فى زمن ماضٍ، أدس فى أذنك مشاعر الألم والهموم، هل تتذكرين تلك اللحظات؟، كلماتك كانت كالبلسم، «روح يا وليدى لا طوبة تسطك ولا شوكة تدقك»، كان قلبك الكبير نهرًا يتدفق بالحب والحنان، طاقة إيجابية تجعلنى انهض من جديد.

فى سنوات ماضية سببت لك آلامًا كثيرة، كنت أرى حسرتك عندما يأتى رجال الشرطة إلى منزلنا لاصطحابى إلى السجن، فى هذه اللحظة كنت تنسين كل شىء، لا تلوميننى، وإنما تدافعين بكل جسارة وقوة، وبينما كان الجنود يمضون بى أنا وشقيقى محمود إلى غياهب السجون، كنت انت تقاومين لحظة الانهيار، حتى وإن غالبتك الدموع..

فى هذا الزمن كانت الأحلام تراودنا، كنا نبنى وطنًا جميلًا فى عقولنا، كانت تأخذنا الحمية والغيرة على بلد، لا نرى لنا حياة بعيدًا عنه، وطن هو الحياة، هو الدنيا، وهو كل شىء.

أتذكر تلك اللحظات التى كنت أصرخ فيها فى الإذاعة المدرسية وأنا تلميذ فى المرحلة الابتدائية، أدعو زملائى الصغار إلى الصمود والصلابة، والوقوف إلى جانب الجيش الذى كان يواجه الهزيمة فى عدوان 67، نمضى سويًا «رتل» من التلاميذ إلى مخر السيول، حيث موقع الشرطة العسكرية، لنهتف سويًا «تحيا الشرطة العسكرية»..

من سجن إلى سجن كان إيمانى يزداد بالوطن، بالناس، بأهلى الغلابة، ملح الأرض ورحيقها، كنت أشتم عبيرها فى الحقول والمزارع، فى الترعة التى تشق بلدتى، فى الهدار والصحارة، والناس الطيبين الذين عاشوا فى هذا المكان منذ مئات السنين..

سنوات عديدة قضيتها قبل أن أغادر إلى القاهرة فى قطار السابعة مساء والذى يصل إلى محطة الجيزة فى السابعة صباح اليوم التالى، لم ينقطع الوصل، كانت نصائح أبى، ونسمات أمى تخلد فى الذاكرة، «أوعى تنسى ناسك وأهلك، بلدك إلا بلدك يا ولدى، أوعى تخلى مصر تاخدك منينا، «المعنا» هى بيتك وناسك ودنياك وآخرتك، أوعى تخاف وأوعى تطاطى من أى حاجة، خليك راجل وخلى بالك من ناسك وخواتك»..

مسيرة طويلة، تاريخ يكدس ذاكرتى، معارك وأزمات، رحلة من السعادة والطموح والأمل، ولحظات غير قليلة من الألم، لكننى لم أعرف اليأس ولا يهزمنى الإحباط.

مضت الأيام سريعًا، سنوات طوال كأنها لحظات فى عمر الإنسان، والآن وقد بلغت الثانية والستين من العمر، انظر مرة أخرى فى المرآة، ياه، قاتلك الله أيها الزمن، أتأمل وجه حفيدتى الصغيرة «إنجى» كأنها تذكرنى بأيام المشاكسة وأنا صغير، وعندما احتضنها أشعر بدفء حضن أمى، التى كانت تتمنى هذه اللحظة منذ زمن طويل.

أقف الآن أمام قبر أمى فى ذكراها الثالثة، وقد جاورت والدى الذى رحل منذ نحو اثنى عشر عامًا، افضفض إليها بأوجاعى وآلامى، كما تعودت فى أزمان سابقة، كلماتها لا تزال تدوى فى أذنى، نصائحها لا تتوقف، أحاسب نفسى أمامها، وكأننى أمام لحظة «الاعتراف العظيم»!!

إليك يا أيتها العظيمة، أحلى الكلمات، نبضات القلب لا تتوقف، تشدو باسمك، احتاج إليك فى هذه اللحظات أكثر من أى وقت مضى، كنت أظن أننا عندما نكبر «ننسى»، لكن الحقيقة أننا نظل أطفالًا أمامك حتى الرحيل.

جرت فى النهر مياه كثيرة، تكشفت الوجوه، تراجعت الثوابت، ضاعت معالم الطريق، وعاد الانتهازيون ليتصدروا المشهد، أشعر بالاختناق، يأخذنى الخوف على الوطن، فأهرب إليك، وكأننى احتمى بالذكريات الجميلة إلى جوارك.

فى ذكراك الثالثة اشتاق إليك، انتظر لحظة اللقاء، لأعود إلى حضنك من جديد، استمع إلى كلماتك وأشدو بهمساتك وأرى لحظة الفرح على وجهك وأنا قادم إليك، يا زهرتى ويا محبوبتى، ويا أجمل لحظات حياتى.

إليك أنحنى.. وإليك أذوب عشقًا.. وإليك قلبى ونور عينى، فانت الحياة، وانت التاريخ، وأنت الأمل الذى يولد من لحظات الألم.. «.. حقًا.. وحشتينى..!!».

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق
سوبر كورة
الأسبوع
سوبر كورة