مقالات

صيف الإسكندرية

الإثنين، 11 يونيو 2018 11:28 ص
صيف الإسكندرية
هالة فاروق

فى مثل هذا الوقت من كل عام تبدأ التصريحات المعتادة عن الاستعداد للموسم الصيفى واستقبال وفود المصطافين القادمين من شتى أنحاء الجمهورية، تجهيز الشواطيء وتنظيفها، وتطوير وصيانة أنفاق المشاه، وأعمال الإنارة واعادة دهان جميع الأعمدة، وإصلاح الأرصفة ودهانها بطول الكورنيش، وتجهيز الممشى الرياضي الذى تم انشائه فى بعض مناطق الكورنيش، صيانة وحدات خلع الملابس والحمامات بالشواطئ، مع تزويد وحدات الصيانة بكافة المعدات والمواد اللازمة للإصلاح والصيانة من أجل التدخل الفوري فى حالة الضرورة للحفاظ على المظهر الجمالي والحضاري للمحافظة .. الى آخر هذه التصريحات المكررة.

ولا شك أن الاسكندرية  التى وصل عدد سكانها – حسب الاحصاء السكانى فى 2017- إلى ما يزيد عن 5 مليون مواطن تعانى من مشاكل عديدة، ولكنها خلال فصل الصيف تتحول إلى نمط مختلف من المشكلات، فحدث ولا حرج عن الضغط على البنية التحتية المنهارة فى الأساس، وزيادة مشكلة تراكم القمامة التى عجزت الجهات المسئولة عن حلها بعد رحيل الشركة الفرنسية (أونيكس) منذ سنوات، الزحام والاختناق المرورى، استغلال التجار ورفع أسعار السلع والخدمات، وتسلط سائقى التاكسى ..الخ

وكل محب للاسكندرية يعلم تماما كم تغيرت نوعية ضيوفها كثيرا عما كان فى الماضى، فقد كانت المصيف الأول فى مصر منذ أن اهتمت بها  أسرة محمد على، حيث أقام الخديوي إسماعيل سرايته المسماة ب سراي الرمل (المحروسة حالياً) كمقر صيفى له ولأسرته، وسار على نهجه كل من جاء بعده وأصبحت الإقامة صيفا بالإسكندرية عادة للعائلة المالكة والطبقات الراقية بالمجتمع المصري، ويتذكر كبار السن ان الحكومة المصرية كانت تنتقل إليها مع بداية كل صيف لتدير شئون الدولة منها طوال فترة الاصطياف، وبعد ثورة 1952 تم تحويل استراحة الملك فاروق بالمعمورة إلى مقر لرئاسة الجمهورية توافد عليها كل الرؤساء.

وقد جذبت عروس البحر المصطافين من كل الطبقات الاجتماعية منذ الثلاثينات من القرن الماضى حينما تم انشاء الكورنيش والكبائن الخشبية ، وفى الستينيات ومع انشاء مدينة المعمورة السياحية (الواقعة بين منطقتى المنتزة وأبوقير) اتجهت إليها الطبقات العليا حيث اكتسبت شهرتها كمدينة مصيفية مغلقة على روادها، وكانت شواطئ الاسكندرية وخاصة ستانلى وميامى وسيدى بشر والمنتزة عنصرا أساسيا فى العديد من أفلام السينما المصرية خلال عصرها الذهبى، وكانت عروس البحر قبلة للرؤساء وضيوفهم والساسة ونجوم الفن والمجتمع.

وبمرور الوقت ومع التوسع العمرانى ظهرت مصايف العجمى وكرير ومراقيا وصولا الى مارينا ومراسى وهاسيندا (ويلاحظ أن السكندريين ينظرون للساحل الشمالى كامتداد طبيعى لعروس البحر حتى وإن امتد إلى داخل حدود مرسى مطروح)، وكل مصيف جديد كان يجذب إليه الطبقات الأعلى تاركا الشواطيء القديمة للطبقات المتوسطة، ولم تخلو الاسكندرية ايضا من الشواطئ الشعبية، وقتما كان البحر ملكا للجميع !!

لكن للأسف مع التغيرات الديموغرافية والنمو السكانى والعمرانى تغيرت الخريطة السياحية تماما، ومع (التوحش) الاستثمارى والسعى وراء تحقيق مكاسب مادية بأى وسيلة، لجأ مسئولى المحافظة لتأجير الشواطئ، واستولى (أباطرة) التأجيرعلى حق المواطن فى الاستمتاع المجانى بالرمال والبحر، وتم فرض الرسوم الباهظة لدخول الشواطئ وتلقى خدمات اجبارية، وبالرغم مما يقال عن توافر شواطئ مجانية تماما، واخرى تندرج تحت تصنيف الخدمة لمن يطلبها، بالاضافة إلى شواطئ مميزة وأخرى سياحية إلا أن الواقع يخالف ذلك.

وتغيرت نوعيات مصطافى الاسكندرية، فاصبح الساحل الشمالى هو مصيف الطبقات العليا، وتحولت باقى الشواطيء داخل الاسكندرية إلى مصيف لسكان الأقاليم !!

وقبل أن يهاجمنى البعض بالاتهامات المعتادة و(الأكليشيهات) الجاهزة عن التعالى الطبقى والنظرة الدونية من سكان المدن الكبرى للاقاليم، وأن اصولنا ريفية وصعيدية، وأنهم أهالينا البسطاء ...الخ

أقول أننى لا أصادر حق أى مصرى فى الاصطياف فى أى مكان بمصر، وإنما لدى تحفظات بشأن بعض السلوكيات الغير لائقة التى تصدر عن ضيوفنا ولا فارق لدى سواء قاهريا او صعيديا او ريفيا .. فالمجتمع السكندرى متروبوليتانى يتقبل الجميع برحابة صدر لكنه لا يقبل السلوكيات المسيئة، فعروس البحر محافظة سكنية قبل أن تكون سياحية، ولا يعقل أن يمشى أحدهم مرتديا المايوه بحجة أنه مصطاف!! وأيضا غير مقبول أن يسير متبخترا بملابسه الداخلية وحافيا !! ولا يصح  أن تسمح الأمهات لأطفالهن بالسباحة او اللعب على الشاطئ وهم عرايا تماما!! كما لا يحق لهن (نزول) البحر بجلاليب البيت بحجة الاحتشام وهى -حينما تبتل - أبعد ما تكون عن (الحشمة)، كما أن العبايات والنقاب ليست زيا للعوم!! البحر له ملابس مخصصة لنزوله سواء للرجال أو السيدات أو الأطفال أيضا، ولكنها غير مناسبة للخروج بها للطريق العام حتى وإن كان المنزل قريبا!!

فالطريق له آدابه وحرمته، فلا تخرج من الشاطئ مبتلا لتركب المواصلات العامة وتضايق الآخرين بملابسك المبللة، وانتبه أن الرصيف ليس مكانا لتحميم الأطفال وتغيير ملابسهم.

وللشواطئ قواعد عامة ينبغى الالتزام بها، فلا تترك مخلفاتك وراءك ولا تدفنها فى الرمال ولا تلقى بها فى البحر، ضعها فى كيس والق بها فى صندوق القمامة أثناء خروجك من الشاطئ، ولتعلم أن الشوأطيء ليست مكانا للمبيت فلا تفترش الرمال ليلا توفيرا للنفقات.

لا تضايق من  حولك بالصوت العالى والضوضاء والصراخ على أطفالك أو السباب على سبيل (الهزار) ورش المياه والجرى مع صديقك، ولا تلعب الكرة وسط الشماسى والبرجولات.

كن فى حالك واستمتع بوقتك مع مرافقيك، وانسى أمر معاكسة البنات والتحرش بهن، واذا كنت برفقة زوجتك فانتبه أن الشاطئ مكان عام وليس غرفة نوم مغلقة (أشير فقط للزوجة مراعاة لحياء القارئ وثقة فى ذكائه).

ومن الضرورى الاشارة إلى أن رفع أسعار دخول الشواطئ ليس حلا، فالأمر لا يتعلق بالمستوى الاقتصادى للمصطاف بقدر ما يتعلق بأنماط سلوكية لدى الوافدين، والدليل على ذلك أن ذات السلوكيات منتشرة على الشواطئ المميزة والسياحية التى تشترط دفع رسم دخول 15-75ج للفرد، فمعالجة تلك الأمور تحتاج إلى ضبط السلوكيات من خلال وضع ضوابط وتفعيل ٱليات لتنفيذها وقبل ذلك يحتاج المجتمع إلى حملات توعية سلوكية سياحية للمصريين (وليس لضيوف الاسكندرية فقط)، لتثقيف المواطن المصرى القائم برحلات سياحة داخلية بقواعد وآداب الرحلات السياحية وتقويم وتعديل وتغيير افكاره وسلوكياته فى هذا الصدد ليستمتع الجميع برحلاتهم دون الاضرار بالآخرين أو بالممتلكات العامة أو بالمنشآت السياحية.

وسأكرر مقولتى الشهيرة، مصر جميلة وكل مكان فيها (محليها)، فلنحافظ عليها، ولنجعل سلوكياتنا تزيدها جمالا.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق
سوبر كورة
الأسبوع
سوبر كورة