مقالات

أهواء القلب

الإثنين، 09 يوليه 2018 08:42 ص
أهواء القلب
هالة فاروق
هالة فاروق

طالعتنا منذ أيام عبر السوشيال ميديا صور وحكايات عن الأميرة ديانا بمناسبة ذكرى ميلادها، أميرة ويلز الرقيقة ذات الملامح البريئة والابتسامة الحزينة، تلك الأميرة التى أحبها الشعب الانجليزى واطلقت عليها وسائل الاعلام لقب أميرة القلوب، حيث خطفت قلوب الملايين تعاطفا معها بسبب ما تم تداوله وقتئذ من أخبار عن خيانة الأمير تشارلز وعدم احترامه لزواجه منها ...الخ

وتذكرت موتها فى حادث مرورى مأساوى  عام 1997، أحاطه الغموض والشائعات بشأن تدبيره من قبل الأجهزة المسئولة بأوامر من العائلة المالكة البريطانية بسبب علاقتها برجل مصرى مسلم!! وبغض النظر عن صحة تلك الأقاويل من عدمها لكننى أذكر جيدا جنازتها الملكية وما حظت به من اهتمام عالمى، بل أن التليفزيون المصرى قد ألغى برامجه المعتادة فى ذلك اليوم وأذاع  المراسم قبل وأثناء وبعد الجنازة!

تعجبت كثيرا حينما تذكرت كل هذه الاحداث، فالمصريون فى ذلك الوقت اهتموا بالحدث بسبب رفيق الاميرة فى نفس الحادث (عماد الفايد) نجل الملياردير محمد الفايد المصرى الأصل، وكانت الأحاديث كلها تدور فى فلك المؤامرة المدبرة للتخلص من ديانا ودودى خوفا من ميلاد حفيد مسلم للعائلة الحاكمة الانجليزية !! ولم يخلو الأمر من نشر صورهما وتفاصيل لقاءاتهما السرية وألتلميح بحمل ديانا !!

لا أهتم بصحة او خطأ هذه التحليلات والاستنتاجات لكنى تساءلت عن كيفية قبول المصريين للأمر دون أى لوم للطرفين أو استنكار للموقف !!

مجتمع شرقى محافظ (مسلم ومسيحى) يقبل بوجود علاقة عاطفية للأميرة الانجليزية -المتزوجة- مع آخر لمجرد أن هذ الآخر مصرى!! بل وقبول الخوض فى حديث حملها المزعوم وتقديمه كمبرر يثير ذعر ملكة انجلترا من ميلاد حفيد مسلم غير شرعى !!

ما هذا اللغط وكيف انساق الشعب المصرى وراء هذه اللغو الاعلامى وصدقه؟! بل وآمن أن دودى وديانا ضحايا الظلم والتعنت الملكى!! وأن الأمير الخائن المهمل لزوجته هو المذنب!!

هذا دليل واضح على تأثير الاعلام المضلل الذى يداعب أوتار عاطفة الجمهور ويؤثر فى وجدانه متجاهلا أحكام العقل والتعاليم الدينية والمعايير الأخلاقية والتقاليد الاجتماعية ؟!

وتتداعى تساؤلاتى، وأفكر في أحداث فيلم من روائع السينما المصرية (نهر الحب) بأبطاله عمالقة الفن والابداع رستم وفاتن وعمر، وكيف نجح الفيلم فى اكتساب تعاطف المتفرج مع نوال (الخائنة حسب المعايير الأخلاقية) ،وجعله ينظر إليها كزوجة مسكينة مظلومة تعيش في كنف زوج يتسم بالقسوة والشدة ولا يملك ادنى قدر من العاطفة، استغل خطأ أخيها كوسيلة لابتزازه والزواج منها، وتعانى من حياة باردة بلا حب.

ولم يجرم صناع الفيلم الأخ ممدوح المختلس بل جعلوا منه خاطئا مضطرا، ولم ينتقده المشاهد بالرغم من أنه لم يجد أي غضاضة ولم يشعر بانتقاص رجولته بقبول تضحية أخته بنفسها من أجله وأسرته  وزواجها تحت ضغط الابتزاز من طاهر باشا القاسى المستغل كبير السن !! وكذلك لم يعترض فيما بعد على علاقة أخته خارج إطار الزواج بل قبل بوجود حبيبها وبارك حبهما!!

لقد أراد صناع الفيلم تقديم الزوجة كبطلة مضحية بنفسها، مغلوبة على أمرها، ومحرومة من الحب يتعاطف معها كل المحيطين بها ماعدا الزوج الأنانى والأخريات الغيورات، ووفقا لذلك رسم المؤلف كل مواقف أبطال العمل بما يتناسب مع هذا الهدف!! مع تقديم المبرر الدرامى لذلك متمثلا فى اهمال الزوج للجانب العاطفى، وقسوته فى معاملتها، وتهديده بعقاب أخيها، واللجوء للمؤامرات ومراقبتها للحصول على دليل يؤكد خيانتها، فلم يقدم االفيلم زوجا مخدوعا تخونه زوجته، بل قدم وحشا كاسرا قاسيا مستبدا لا يستحق تعاطف المشاهدين!!

أما البطل الرومانسى، الكابتن خالد، فارس أحلام كل العذارى بالفيلم، فلا لوم عليه لوقوعه فى حب امرأة متزوجة، ومطاردتها، والسفر معها إلى الخارج - حتى وإن أظهرت المشاهد والحوارات أن العلاقة بينهما عذرية بريئة – لتعويض حرمان البطلة من المشاعر، والتمتع بحبهما غير المشروع بعيدا عن عيون كل من يعرفهما، وحينما جاءت النهاية باستشهاده، لم تكن عقابا على مسلكه وانما حتمية درامية للخروج من مأزق رفض الزوج للطلاق.

وفى نفس إطار (التأثير العاطفى للدراما) دارت أحداث المسلسل التركى الأشهر (العشق الممنوع) حيث أحب المشاهدون البطلة (بهيتار أو سمر) وقبلوا حب (بهلول أو مهند) لها رغم خيانتهما لزوجها العاشق لها وعمه فى ذات الوقت (عدنان بك)، بلا أى مبرر درامى لتعاطف المشاهد معهما، فالزوج الغنى محب لزوجته ويرعاها ويغدق عليها مشاعره وأمواله، وساند أسرتها فى كل المآزق التى مرت بها، وهو ذاته الذى ضم (مهند) إلى أسرته وتولى رعايته وتربيته بعد وفاة والديه ومنحه الحب والحنان بلا حدود ولم يفرق بينه وبين أولاده، وبالرغم من ذلك استجاب المشاهد لعلاقة العشق المحرم بين سمر ومهند !!

وحينما عاد مهند لضميره وقرر الابتعاد عن حبيبته زوجة عمه، ومقاومة مشاعره تجاهها، تعاطف المشاهد معه وتجاوب مع محاولاته للهروب من محاصرتها له، وفرح بتوبة (مهند)، وكره سمر الخائنة لأنها ترفض هذه التوبة، متناسيا انهما شريكان منذ البداية فى جريمة الخيانة (التى استمتع المتفرج بها ولم يستنكرها طوال الحلقات)، لكن مع مشهد انتحارها عاد المشاهد إلى جانبها وحزن من أجلها!!

بالطبع إن المشاهد يقبل فى الدراما بعض الأمور التى لا يقبلها فى الواقع، ويغفرها لصناع العمل الفنى ويصدقها من أجل تحقيق متعة المشاهدة،  حسب القاعدة المتفق عليها ضمنيا والمسماة (الحائط الرابع) الذى يقف حائلا بين المتفرج والممثل ليتناسى المتفرج أنها مشاهد تمثيلية لم تحدث فى الواقع، فيتوهم أنه يرى أحداث حقيقية ليندمج ويتفاعل معها.

إنها نفس القاعدة التى أسماها الكاتب الدكتور أحمد خالد توفيق (دعنى أخدعك.. دعنى أنخدع) المتفق عليها بين الكاتب وقرائه لكى تدور عجلة الخيال ويتحقق الاندماج والاستمتاع بالرواية.

لكن المعايير الأخلاقية ينبغى أن تجعل المشاهد يكره الأشرار والخونة ... الخ وأتذكر تعليق سيدة فاضلة تمت لى بصلة قرابة عن مسلسل العشق الممنوع - فى وقت استحواذه على اهتمام ومشاعر ومتابعة ملايين المشاهدين فى شتى أنحاء العالم العربى - أنها لا تحب هذا المسلسل بسبب (الخاينة اللى مش متربية)، لقد حطمت بتعليقها الحائط الرابع الوهمى لتقدم رسالة تربوية لبناتها المراهقات بأن هذا عيب وحرام وغير مقبول، ضاربة بعرض الحائط كل قواعد الدراما!!

ولكن سحر الدراما أحيانا يتغلب على تلك المعايير ويجعل المشاهد متعاطفا مع خائن أو مجرم أو عاهرة ....الخ أحيانا بسبب ظروف تقدمها الدراما كمبرر مثل فيلم نهر الحب، وأحيانا لوسامة الممثل وحب الجمهور له وتقبله لكل أفعاله وإن كانت غير مبررة دراميا وبالرغم من تناقضها أحيانا مع قناعات المتفرج مثل (العشق الممنوع).

أنها أهواء القلب التى تتحكم فى مشاعر الإنسان وردود أفعاله، بعيدا عن أحكام العقل والمنطق والتفكير السليم، فالتعاطف مع حادث ديانا غير منطقى وانما موقف انفعالى عاطفى يشوبه بعض من النزعة القومية فى غير محلها، فارتباط دودى بأميرة من العائلة المالكة لم يكن انتصارا مصريا وليس انتقاما من المحتل الانجليزى وبالتأكيد ليس نشرا للاسلام!! والتفكير فى ولادة طفل غير شرعي  فعل لا أخلاقي ولا يدعو للفخر والمباهاة، فكلها أمور عاطفية وقتية غير منطقية تنتج عن تأجيح المشاعر ولا تمت للعقل بصلة.

فمتلقى الدراما يتجاوب عاطفيا، ويتفاعل بقلبه، ويتأثر وجدانيا  بشخصيات العمل دون أى تفكير عقلانى.

ألا يمكن استغلال هذه السبل التأثيرية من أجل محتمع أفضل؟! متى ينتبه السادة القائمون على الاعلام والقوى الناعمة بمختلف مجالاتها لتأثيرها اللا محدود على الجماهير ومنظومة القيم السائدة؟! ومتى يمكن توجيهها لتدعيم وترسيخ افكار ومعايير إيجابية بدلا من ضياع تأثيرها هراء؟!

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق
سوبر كورة
الأسبوع
سوبر كورة