مقالات

الورد البلدى

الخميس، 12 يوليه 2018 10:35 م
الورد البلدى
هالة فاروق

أحب الزرع الأخضر والورد كثيرا، أذكرأننى كنت أقضى أسعد أوقاتى خلال فترةالطفولة فى حديقة الفيلا التى كانت ملاذا للأسرة من ضغوط العمل والحياة، حيث كنا نهرع إليها فى نهاية الأسبوع وكل الأجازات الممكنة لنستمتع بالهدوء والهواء النقى بإحدى ضواحىالاسكندرية، كانت أمى تجد صعوبة فى اقناعى بترك الحديقة، والابتعاد عن أحواض الورد وأشجار الفاكهة ..الخ فلم أكن أكتفى برى الزرع بخرطوم المياه أو (الرشاش) كما تبدو الفتيات الرقيقات فى الأفلام السينمائية، بل كنت أهوى تجهيز الأحواضللزراعة، واقتلاع الحشائش الضارة، وتقليب التربة وتسويتها، ووضع البذور أو الشتلات ...الخ وكنت أحمل الفأس و الحجارىذي الرأس المدبب وغيرها من الأدواتالتى ربما تزن أثقل من وزنى، وأرافق (عم يوسف الجناينى) فى كل خطوات عمله، وأقلد حركاته وأفعالهوكأننى مساعد البستانى!!وكان هذا يعرضنى لغضب أمى بسبب الحالة المزرية التىأبدو بها بعد كل هذا المجهود الشاق، وملابسى الملطخة ب (الطين)، وشعرى الملئ بأوراق الشجر، وكان الاستحمام الفورى هو خطتها الوحيدة والعاجلة لتصفح عنى.

ولكن كل هذا لا يضاهى الفرحة التى كنا نشعر بها جميعا فور رؤية ثمار الفاكهة على أشجارها، ورائحة الأعشاب الطازجة كالنعناع والبقدونس وغيرها،ومحصول الخضروات البسيطة بالحديقة الخلفية، فضلا عن المذاق الرائع حين طبخها بعد قطفها مباشرة، وكانت عيدان الريحانوأشجار الورد بتنوع أشكالها وألوانها، وروائحها العطرةالتى تفوح فى كافة أرجاء الحديقةبمثابة مراسم الاستقبال المبهجة لزوارنا.

إنها دنيانا الصغيرة الجميلة التىتضمنا مع أصدقائنا للاستجمام والاستمتاعوممارسة هواياتنابعيدا عن تعقيدات وصخب وضوضاء وزحام وتلوث المدينة.

وبالرغم من عشقى هذا إلا أننى لا أجيد الاعتناء به داخل المنزل،ولم أنجح على الاطلاق فى رعاية نباتات الزينة والزهور داخل المنزل او فى شرفته رغم محاولتى مرارا، وكأنى ارتبطت بها فى بيئتها الطبيعية مع طين الأرض ومعدات الحدائق!!

ولعلنشأتى هذه هى ما جعلتنى عاشقة للورود - خاصة الورد البلدى– وأحب إهدائها فى المناسبات المختلفة، وأراها هدية ملائمة لكل المناسبات السعيدة وكل أنماط العلاقات الاجتماعية، فتصلح أن تقدم كهدية للأحباب والأصدقاءالمقربين والأقارب كما تصلح أيضاللزملاء والمعارف الذين لا تربطنا بهم علاقات حميمة، لا أنكر إننى قد وجدت فيها ضالتى بدلا من الحيرة بشأن الهدايا التى يلزم تقديمها للآخرين، وأحيانا أرفقها مع هدية أخرى حسب المناسبة وتبعا لطبيعةالعلاقة بالمهدى إليه.

لكنها تظل اختيارى المفضل الذىيحمل معانى الود والاهتمام والحب والأمل والتقدير والاحترام والشكر ..الخ

لكن للأسف كثيرا ما أرى فى عيون الآخرين نظرات تحمل معانى مختلفة حينما أتحدث عن نيتى فى إهداء باقة ورد،البعض يستنكر الأمر وينصحنى بتقديم هدية أكثر نفعا!! والبعض يراها رفاهية لا تليق بالظروف المعيشية الصعبة التىيمر بها المجتمع، بل إننىأشعر أحيانا حين أحمل باقة ورد أن نظرات المحيطينتتبعنىوتتهمنى بالرفاهية والدلال و(روقان البال) - رغم انها ليست تهما تتطلب إنكارها–وقد أتعرض للغمز واللمز والتعليقات السخيفة والنظرات الخبيثة من آخرين لأنى بالتأكيد– حسب تفكيرهم –فى طريقى للقاء حبيب أهديه إياها, أو عائدة من موعد فزت خلاله بهذه الهدية!!فبالطبع ترتبط الزهور فى ثقافتنا بالحب الرومانسى، فلا يتخيل أحد مثلاأننىسأهدى لأمى زهورا ولا يخطر على باله أنها قد تكون هدية لزميل عمل أو فنان أحضر إحدى حفلاته!!

إن حمل باقة من الزهور هى جريمة غرامية فى نظر المجتمع أو على الاقل تهمة عشق!! ولا أفهم متى أصبح الحب جريمة والورود دليلا دامغا يثبتها؟!

إن اختيارى للزهور التى أنوى شراءهايمنحنى سعادة لا حدود لها، وتنتابنى مشاعر الرقى والبهجة حينما أحملها لتقديمها بنفسى بدلا من إرسالها، وأفكر أن سعادتى هذه بالتأكيد ستقابلها سعادة مماثلة من الطرف الآخر حين يتلقاها.

ولكنى أيضا أدرك آنها قد لا تناسب البعض، ففى بعض الأحيان يكون تقديم علبة حلويات أو بضعة أنواع من الفاكهة او هدايا عينية من المستلزمات الشخصية أو احتياجات المنزلأكثر أهمية لدى متلقى الهدية من الورود.

فالأمر يعتمد على الثقافة السائدة فى المجتمع، وللأسف لم تعد لدي المجتمع المصرى ثقافة تسمح بهذا الترف !!

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق
سوبر كورة
الأسبوع
سوبر كورة