كلمة صريحة

الغش للجميع!!

الأحد، 27 يناير 2019 07:35 م
الغش للجميع!!
محمود بكري

فى سنوات مضت، كنّا نحتفى بمهرجان «القراءة للجميع».. فقد كان مشجعا على «الثقافة» بأسعار زهيدة، من خلال الإصدارات التى كانت ترعاها مباشرة «سوزان مبارك» حرم الرئيس الأسبق.
وفِى هذه السنة، فرض علينا «عنوة» مهرجان امتحانات «الغش للجميع»، حيث أعادت وزارة التربية والتعليم تعريفنا بالقيم الجديدة، والوافدة، مع رؤية الوزير «طارق شوقي» وهى أن «الغش» هو أساس «الامتحان».. حيث استنت الوزارة «سنة» لم نتخيلها يوما فى حياتنا، وهى السماح لطلاب الصف الأول الثانوي، أن يأخذوا معهم «الكتاب المدرسي» إليّ لجان الامتحانات، ومن حقهم بالطبع أن يستعينوا بالكتاب فى استخراج الإجابات عن أسئلة الامتحان.. أى أن الوزارة، والسيد الوزير يقولون للجميع، إن «الغش» هو فرض عين على كل طالب وطالبة، وبدلا من الحديث النبوى الذى لطالما تمسكنا به ونحن فى سنوات الدراسة «من غشنا فليس منا» يبدو أن السياسة التعليمية الجديدة تفرض علينا حديثا من عندها «من لم يغشنا فليس منا».
طبعا، هناك بعض التبريرات يقدمها أصحاب «الغش للجميع»، ومنها أن الامتحانات المسموح فيها باصطحاب الكتب للامتحانات ليس عليها «درجات» ولن تحتسب ضمن المجموع، وأن الامتحانات الوحيدة التى لن يسمح فيها بالكتاب، وستحسب عليها الدرجات هى التى ستجرى فى نهاية العام، وتحديدا خلال شهرى «مايو» و«يونيو».
هذا الكلام ليس أكثر من محاولة ساذجة للضحك على عقول الناس، واستخدام تبريرات عجيبة لتمرير سياسة «الغش للجميع»..فالطلاب والطالبات الذين حملوا الكتاب معهم فى واحدة من المواد، وهى «اللغة العربية» عجزوا عن الإجابة، لأن الوزارة رأت أن تقدم لهم إمتحانا تعجيزيا، لم يدرسوه أصلا، حتى أن ابنتى حكت لى أن إحدى المتفوقات معها فى الفصل، عجزت عن فهم أسئلة «العربي» أوالتجاوب معها، وهو ماجعل أولياء الأمور يشعلون موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك» بغضب غير مسبوق، دون أن يلتفت اليهم أحد، أو يعيرهم اهتماما.
قد يكون للوزير دوافعه، وطموحاته، لرفع مستوى التعليم، وهو مانحتاج إليه فعلا، لتطوير مؤسساتنا، والنهوض ببلدنا، ولكن من قال أن هذا الأسلوب، وبتلك الطريقة «العقيمة» هو الذى سيرفع من شأن التعليم فى بلادنا؟!
لقد أضر هذا النظام، الذى فرضوه على الصف الأول الثانوى ضررا شديدا، بالتلاميذ وأسرهم، وبقيم المجتمع التى تربى عليها المصريون..فحين عجز طلاب امتحانات «العربي» عن التجاوب مع أسئلته الغريبة، جاء الحل السحرى مع نهاية أول أيام الامتحانات، حيث تم تسريب امتحان «الفرنساوي» حرفيا، وبإجاباته النموذجية، وتلاه كل الامتحانات وحتى اليوم الأخير.. وكل مافعله الطلاب، وبدلا من أن يستذكروا دروسهم، راحوا يدونون الإجابات النموذجية فى الكتب المصرح بدخولها، وراح المدرسون المراقبون يعاونونهم على سرعة «الغش» حتى يفرغوا من الامتحان فى زمن قياسي.
وعلى مدى أيام الامتحانات، تحول «الغش» إليّ «ظاهرة»، وبدلا من عقاب أى تلميذ «غشاش» بات «الغش» مباحا، ومستباحا، تحت أعين إدارة المدرسة، ومدرسيها، ومراقبيها، وبتشجيع من أولياء الأمور، الذين وجدوا فى هذه الوسيلة الحل الأمثل للتغلب على ظاهرة «الدروس الخصوصية».
ولكن.. وبعيدا عن شطحات الوزارة، ووزيرها.. فإن محصلة سياسة «الغش للجميع» أفرزت النتائج المدمرة الآتية:
١-توجيه ضربة فى الصميم لقيم المجتمع والتى تقوم على تغذية الصدق والاخلاص فى المذاكرة، وفى نفوس أولادنا، والحرص على التميز، واستبدال كل ذلك بقيم بالية، تشجع على «الغش» والانحراف فى السلوك التعليمي.
٢-تدمير العلاقة، وحدودها بين التلميذ ومدرسه، حيث اكتسب «الغش» مشروعية، يصعب التخلص منها، مهما كانت التحذيرات فى المستقبل .
٣-تم القضاء على ظاهرة الطالب المتفوق، والمتميز، والذى وجد نفسه فجأة، على نفس الدرجة من المساواة مع من لايعرف «فك الخط».
٤-سوف يعتمد التلاميذ والتلميذات على الاتكالية، والأريحية التى اكتسبوها، ومن ثم لن يحققوا النتائج المأمولة فى امتحانات نهاية العام الدراسي.
٥-سوف يكون المجتمع برمته هو الخاسر الأكبر، فبعد أن كنّا نرفع شعار «القراءة للجميع» لاستنهاض المجتمع بكامله نحو اكتساب الثقافات والمعارف، بتنا أسرى لشعار «الغش للجميع» والذى سيكون وبالا ودمارا على مسيرة التعليم فى المقبل من السنوات.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق
سوبر كورة
الأسبوع
سوبر كورة